التخطي إلى المحتوى الرئيسي

هكذا يفكرون. الحداثة الغربية بين براعة الهدم ومأزق البديل المفقود.

هكذا يفكرون.

الحداثة الغربية بين براعة الهدم ومأزق البديل المفقود.

                                                                                                                                                                   حبيب مونسي

                                                                                                                                            عضو المجلس الأعلى للغة العربية

قال المؤرّخ البريطاني "آلان بلوك" (Alan Bullock):

(كان هناك تشابه كبير بين العلماء الذي حطموا المواقف السّائدة من العلم المادي والرّسامين الذين حطّموا المواقف السّائدة من العالم الخارجي الممثّل بالفن. ففي كلتا الحالتين لم يأت ذلك التّحطيم بالبديل الخلاق. من المؤكّد كان جو العمل السّائد حينئذ ذا طابع تجديدي وتجريبي أصيل. واستمرّ هكذا دون أن يأتي بقناعات ثابتة، أو نماذج تُحتذى في مضمار الأشكال الفنّية أو لغة التّعبير... إنّ ما يربط هذه الحركات الجذرية الجديدة في الفن، والفكر، والأدب، والعلم، ببعضها هو الوعي بالمستقل. لم يفهم ما قالته تلك الحركات، أو أصغي إليها سوى القلّة في ذلك الوقت. وبعد أن اكتسحت الحرب الكونية الأولى النّظام القديم للمجتمع الأوروبي وحطّمت قيمه، اعترف النّاس بقدرة خيال الرّسامين، والشّعراء، والعلماء، والمفكرين على استشراف العالم الجديد، ذلك العالم المضطرب والمفكّك الذي لا يزال قائما).

هكذا يفكرون: الحداثة الغربية ومأزق الهدم العاجز عن التأسيس

يضعنا المؤرخ البريطاني "آلان بلوك" (Alan Bullock) أمام العصب العاري للحداثة الغربية، في لحظة تاريخية حرجة تقاطع فيها انهيار اليقين الفيزيائي مع تشظي التّمثيل الجمالي، الأمر الذي يستدعي جملة من الأسئلة نطرحها على العقل الغربي لنعرف كيف يفكر؟ وفيما يفكر؟ وبما يفكر؟ نسميها:

01-أسئلة التفكيك:

1.     كيف يعكس التزامن المريب بين تحطيم الفيزياء الكلاسيكية (العلم) وتقويض المنظور الهندسي (الفن) أزمة إبستمولوجية أنهت صلاحية "الذّات الدّيكارتية" المتعالية؟

2.     بأيّ معنى كانت الحرب الكونية الأولى مجرّد "مصادقة دموية" على الخراب الذي تنبأت به الحركات الطّليعية في لوحاتها وقصائدها؟

3.     هل يُعد استمرار الحداثة دون "بديل خلاق" أو "قناعات ثابتة" دليلاً على حيوية التّجريب، أم أنّه يجسد عجزاً متأصّلاً في العقل الغربي عن بناء نماذج معرفية جديدة (Paradigms) تلملم شتات الإنسان؟

02- انهيار اليقين المزدوج، التّكعيبية وفيزياء الكمّ:

في العقود الأولى من القرن العشرين، تلقى العقل الغربي ضربات قاضية لمركزيته. في حقل العلم. جاءت فيزياء الكمّ، وتحديداً "مبدأ الارتياب" لهايزنبرغ (Heisenberg)، لتقوّض صرح الفيزياء النيوتونية التي صورت الكون كآلة ميكانيكية حتمية. وبالتزامن مع ذلك، انطلقت في مدارات الفنّ حركات راديكالية كـ "التكعيبية" (عبر بيكاسو وبراك) لتقضي على "منظور عصر النّهضة"، الذي كان يدّعي تمثيل العالم الخارجي من نقطة رؤية مركزية واحدة.

هذا التّحطيم لم يكن مجرد تجديد أسلوبي، بل كان زلزالاً معرفياً. لقد تشظّى الواقع على قماش اللّوحات تماماً كما تشظّت حتمية حركة الإلكترون في المختبرات. يؤكد "مالكولم برادبري" و"جيمس ماكفارلان" في تحليلهما للحداثة أنّ هذه المرحلة مثّلت "أزمة عميقة في الإيمان بصلابة العالم الموضوعي، حيث أصبح الفن لا يعكس الواقع، بل يفكّكه ليعيد إنتاج أزمة الوعي به"(1).

03- خنادق الحرب ومأساة التّجسيد :

لم تكن الحركات الجذرية (كالمستقبلية والدّادئية) مجرد ترف فكري، بل كانت -كما يشير بلوك- "تستشرف العالم الجديد المضطرب". لم يفهم مجتمع البرجوازية الأوروبية المستقر هذه الحركات في حينها، إلى أن جاءت الحرب العالمية الأولى لتشكل "المصادقة التّاريخية" على رؤاها الكابوسية. لقد حطمت خنادق الموت في "فردان" و"السوم" أسطورة التّنوير الكبرى المتمثّلة في "حتمية التّقدم العقلاني".

ولعل الشّاهد الأدبي الأبرز على هذا الخراب المتجسّد هو ما صاغه الشّاعر "ت. س. إليوت" في قصيدته الملحمية "أرض اليباب" (The Waste Land)، حين صوّر الحضارة الغربية كأرض قاحلة مليئة بالشّظايا، صارخاً بلسان الإنسان المعاصر: "أنا لا أستطيع أن أربط شيئاً بشيء... هذه الشّظايا أسندتُ بها خرائبي"(2). هنا، تحول الخراب المجازي إلى دمار مادي ونفسي ملموس.

04- العدمية وغياب "البديل الخلاق" .

إنّ النقطة الأكثر رعباً في تشخيص "بلوك" هي تأكيده  على أنّ هذا التّحطيم الممنهج لم يأتِ بـ "قناعات ثابتة أو نماذج تُحتذى". لقد وقع العقل الغربي في فخ العدمية (Nihilism)؛ فأضحى الهدم والبحث المحموم عن "الجديد" غايةً في حد ذاتها.

وبدلاً من إرساء نماذج إرشادية جديدة تمنح الطمأنينة، بات التّفكيك هو القاعدة. هذا العجز عن بناء يقينيات بديلة هو ما مهّد الطريق لاحقاً لسيولة "ما بعد الحداثة"، حيث أُعلن صراحةً عن "سقوط السّرديات الكبرى" بتعبير الفيلسوف "جان فرانسوا ليوتار" (3). وفي هذا الصّدد، يرى الفيلسوف "طه عبد الرحمن" أنّ هذا المأزق كان حتمياً، لأنّ الحداثة الغربية "حداثة انفصلت عن الائتمان الأخلاقي، وجعلت من النّقد والهدم قيمة مطلقة تتجاوز قيمة البناء والوصل"(4).

إنّ العالم "المضطرب والمفكّك" الذي تحدث عنه بلوك لا يزال قائماً؛ لأنّ العقل الغربي أجاد تفكيك الأصنام القديمة، لكنّه ترك معابده فارغة تسكنها رياح العدم.

الهوامش المرجعية:

(1) Bradbury, M., & McFarlane, J. (Eds.). Modernism: A Guide to European Literature 1890-1930. Penguin Books, p. 27. (بتصرف في النقل لبيان أزمة التمثيل).

(2) Eliot, T. S. The Waste Land. (ت. س. إليوت، أرض اليباب، ترجمة وتوطئة: د. عبد الواحد لؤلؤة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ص 45 و 68).

(3) Lyotard, Jean-François. La Condition postmoderne : rapport sur le savoir. Les Éditions de Minuit, Paris, 1979, p. 7. (حيث يُعرّف ما بعد الحداثة بأنها الارتياب تجاه السرديات الكبرى).

(4) عبد الرحمن، طه. روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2006، ص 34-36. (في سياق نقده لانفصال الحداثة عن التأسيس القيمي).



 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التعبير والتجريد في الشعر الحديث.. بقلم : حبيب مونسي

  كيف كان الشعر العربي..وكيف أصبح؟ ما هي مشكلته اليوم؟ التعبير والتواصل.. التجريد والاغتراب؟ كيف ينظر النقد إلى هذه المعضلة؟ .. ما المخرج إذا؟

التمثيل في القرآن الكريم.

تتناول هذه المداخلة التمثيل في القرآن الكريم باعتباره أسلوبا مشهديا لتقريب المعنى وتجسيده أمام القارئ كما تبين دور التمثيل في فتح الدلالة على آفاق تأويلية متعددة.

نظرية التلقي.. رؤية فلسفية أم منهج؟؟ كيف فهمناها؟؟ بقلم : حبيب مونسي

كثيرا ما صرنا نلهج اليوم بشيء يسمى نظرية التلقي .. ويسعى كثيرا من طلبة الجامعات إلى التقاط هذا العنوان ليكون شارة في دراساتهم.. لكن هل فعلا نعي خطورة ما نقدم عليه؟؟ هل فعلا فهمنا المراد منها؟؟ أم أننا دوما نجري وراء مسميات فارغة نزين بها لوحاتنا البحثية.؟؟

أحاديث في النقد والأدب والفكر..محمولات الألفاظ الثقافية....الحلقة 04.

تتناول هذه الحلقة الحديث عن المحمولات الثقافية التي يكتنزها اللفظ والتي تتراكم فيه عبر الازمنة والاستعمالات فتكون بمثابة المرجع الثقافي والمعرفي الذي يحيل عليه اللفظ. وحينما يستعمل الأديب الألفاظ إنما يريد استثمار تلك المحمولات لترفد المقاصد التي يرومها والمرامي التي يرد للمعنى أن ينفتح عليها.. كما أنها تدفع القارئ إلى تحرك ثرائها لإنتاج المعنى وتحيين النص قراءة وتلقيا..

نقرأ لنكتب أم نكتب لنقرأ؟هل بيننا وبين الغرب في هذا من اختلاف؟ بقلم : حبيب مونسي

هل نقرأ لنكتب؟ أم نكتب لنقرأ؟ ما الفرق بين الوضعيتين؟ هل تقديم القراءة على الكتابة يغير من وضعها؟ هل تأخير الكتابة على القراءة يكشف جديدا في العملية الإبداعية؟ لماذا لا يرى الغرب من وجود للعالم إلا داخل الكتابة؟ ولماذا نراه خارجها؟ هل هذا الفهم يفرض علينا أن نعيد النظر في نظرياتنا النقدية الحداثية؟

حوار حول رواية: مقامات الذاكرة المنسية. مع حبيب مونسي. بقلم : تقار فوزية

مقامات الذاكرة المنسية، الرواية الماقبل الأخير للروائي الناقد الأستاذ حبيب مونسي والتي حظيت بعدد من الدراسات الأكاديمية- رسائل ماجستير ودكتوراه .  إنها الرواية التي حاولت أن لا تشتغل بأساليب السرد الغربية التي شاعت في الكتابات الجديدة،