التخطي إلى المحتوى الرئيسي

"أصنام المجتمع". كيف تُصنع الوصاية وتُكرَّس الهيمنة؟ قراءة استقصائية في المشروع النّقدي لعبد الجليل الطّاهر من خلال كتابه "أصنام المجتمع".

 "أصنام المجتمع". كيف تُصنع الوصاية وتُكرَّس الهيمنة؟

قراءة استقصائية في المشروع النّقدي لعبد الجليل الطّاهر من خلال كتابه "أصنام المجتمع".  

 

حبيب مونسي

عضو المجلس الأعلى للغة العربية.

 

مقدمة: حين تتحوّل الأوهام إلى مقدسات:

في زمن تتداعى فيه أنظمة سياسية وتتشقّق أنسجة اجتماعية، يفرض سؤالٌ نفسه بإلحاح على العقل العربي: كيف يمكن لمجتمعاتٍ راكمت قدرًا هائلًا من المعرفة أن تظل أسيرة أنماط قديمة من التّفكير والسّلوك؟ ولماذا نعيد إنتاج الأخطاء ذاتها، وكأنّ الجمود أصبح جزءًا من آليات حياتنا اليومية؟

يذهب عبد الجليل الطاهر، الباحث العراقي -الذي كرّس جانبًا كبيرًا من نشاطه البحثي لدراسة البنى الاجتماعية- إلى أنّ المشكلة لا تكمن ببساطة في نقص المعلومات أو الجهل بها، وإنّما في طبيعة بعض المعتقدات التي تحيط بها الجماعة نفسها بهالة من القداسة، فلا تعود قابلة للنّقاش أو المراجعة. هذه هي «الأصنام» التي يتحدّث عنها، باعتبارها تصوراتٌ، ومعتقداتٌ، تصنعها الجماعة، ثمّ تمنحها من القوّة الرّمزية ما يجعل الاقتراب منها أو التّشكيك فيها أشبه بالخروج على الملّة.

من هنا تنطلق هذه القراءة في المشروع الفكري لعبد الجليل الطاهر، محاولةً تتبُّع الكيفية التي تتشكّل بها تلك الأصنام داخل المجتمع العراقي بخاصة -كونه مجال البحث الميداني المستهدف- والعربي بعامة لتشابه الأوضاع وتماثلها، وكيف يمكن أن تتحوّل، في ظلّ ظروف معيّنة، من مجرد أفكار ومعتقدات إلى أدوات للهيمنة، تستفيد منها نُخبٌ سياسيةٌ، أو دينيةٌ، أو اجتماعيةٌ، أو ثقافيةٌ. كما تتوقّف عند السُبل التي يمكن من خلالها تفكيك هذه البنى واستعادة القدرة على التّفكير النّقدي.

أولًا: من أصنام فرانسيس بيكون الفردية إلى أصنام المجتمع الجماعية:

من أبرز التّحولات المنهجية في هذا التّصور إعادة توظيف نظرية الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون حول "أصنام الذّهن"  (Idols of the Mind)، وهي النّظرية التي تعود إلى القرن السّابع عشر. فقد وضع بيكون أربعة أصنام تعيق التّفكير العلمي السّليم: أصنام القبيلة، والكهف، والسّوق، والمسرح. أمّا في القراءة الاجتماعية لعبد الجليل الطاهر، فتخرج هذه الأصنام من نطاق العقل الفردي لتظهر في صورة أنماط اجتماعية راسخة، تؤثر في سلوك الأفراد وتعيد تشكيل وعيهم الجمعي.

أ- أصنام القبيلة:

إذا كان «صنم القبيلة» عند بيكون يشير إلى محدودية العقل البشري وميله إلى الوقوع في أوهامه الخاصّة، فإنّه يتّخذ في القراءة الاجتماعية صورة أوسع: التّعصب للجماعة، سواء كانت قبلية أو قومية أو طائفية أو حزبية. فالفرد لا ينظر إلى نفسه دائمًا باعتباره ذاتًا مستقلة، بل قد يرى نفسه امتدادًا لجماعته، فتتحوّل الجماعة تدريجيًا إلى معيار أعلى من النّقد، وتصبح قيمها الخاصّة مقياسًا مطلقًا للحقّ والباطل. وفي هذا السّياق يبرز المثل الشّعبي «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» بوصفه مثالًا كاشفًا عن الكيفية التي يمكن بها للولاء أن يتحوّل إلى غطاء يعيد إنتاج الظّلم والعنف.

ب- أصنام الكهف:

أمّا «أصنام الكهف»، فتتّصل بالبيئة المحدودة التي يتشكّل فيها وعي الفرد: الأسرة، والمحلّة، والطّبقة، والمدرسة التّقليدية وغيرها. وهذه البيئات قد تتحوّل إلى «كهوف» معرفية إذا أغلقت على الإنسان منافذ النّظر إلى العالم، وحصرته في أنماط جاهزة من التّفكير. عندئذ لا يعود الآخر شخصًا يمكن فهمه، وإنّما صورة نمطية مسبقة: المختلف في المذهب أو العشيرة أو الرأي يصبح، منذ الطّفولة، موضع ريبة أو اتهام. وهكذا تتشكّل في الذّهن خرائط للعدو قد لا تكون لها علاقة حقيقية بالواقع.

ت- أصنام السّوق:

وتتخذ «أصنام السّوق» صورة مختلفة، إذ يتعلّق الأمر هنا باللّغة وما يمكن أن تفعله الكلمات حين تُنتزع من معانيها وتُستخدم في الخطاب العام لتبرير ما يناقضها. فقد تتحوّل كلمة «الشّرف» إلى ذريعة للسّيطرة على المرأة، وتُستدعى «المروءة» لتجميل الانتهازية، ويُستعمل «التّدين» غطاءً لتبرير العنف. وفي هذه الحالة لا تكون المشكلة في اللّغة نفسها، وإنّما في تحويلها إلى ستار يحجب الفارق بين ما يُقال وما يُمارس.

وهكذا يجد الجمهور نفسه أمام خطاب أخلاقي كثيف، لكن المعاني الفعلية تتوارى خلف الكلمات الرّنانة، ويصبح الالتباس وسيلةً لإدامة الواقع بدل تغييره.

ث- أصنام المسرح:

أمّا «أصنام المسرح»، فهي الأكثر اتصالًا بالخضوع للسّلطة، بصرف النّظر عن طبيعتها: سياسية كانت أم دينية أم عشائرية أم فكرية. ويبدو المجتمع، في هذا التّصور، كأنّه مسرح كبير، تؤدي فيه النُّخب أدوار الحكماء والمرشدين، بينما يُنتظر من الجمهور أن يصفق، ويُسلّم، ويقدّس، بدل أن يسأل ويناقش. ومن هنا يمكن فهم الكيفية التي تتحوّل بها بعض الأفكار والنّظريات الموروثة إلى مقدسات مغلقة، لا يُسمح بمراجعتها، فيغدو التّغيير الاجتماعي نفسه فعلًا يكاد يبدو مستحيلًا.

ثانيًا: ثالوث التحيز والتعصب والتمييز.. تشريح الظاهرة:

يتوقف عبد الجليل الطاهر عند مفاهيم كثيرًا ما تختلط في الخطاب العام، ويحاول التّمييز بينها لأنّها تمثل، في ترابطها، مراحل مختلفة في تكوين الظاهرة الاجتماعية.

1- التّحيز، الجذر الخفي:

التّحيز (Prejudice) هو موقف نفسي ومعرفي سابق على الحكم، وغالبًا ما يكون سلبيًا، يتّخذه الفرد تجاه جماعة أخرى من دون أن يستند إلى أدلة موضوعية كافية. وهو لا ينشأ من فراغ، بل تغذيه الصّور النّمطية (Stereotypes) التي تنتقل عبر التّنشئة الاجتماعية من جيل إلى آخر. وفي هذه المرحلة يظلّ التّحيز، في الأساس، داخل دائرة الأفكار والمشاعر. لكنّه يصبح، حين يترسّخ، أرضًا خصبة لظواهر أكثر خطورة.

2- التّعصب، الجمود الفكري بوصفه طريقة حياة:

التّعصب (Fanaticism) يمثل درجة أكثر حدة من التّحيز. هنا لا يقتصر الأمر على تكوين موقف سلبي من الآخر، وإنّما يتّسع ليشمل رفضه بصورة شبه مطلقة، والاندماج الكامل في الجماعة الداخلية   (In-group)، والنّظر إلى الجماعة الخارجية (Out-group) باعتبارها خصمًا دائمًا. وفي هذا السّياق تظهر صلة بما سماه ابن خلدون «العصبية»، وإن كانت العصبية القديمة قد وجدت في العصر الحديث أشكالًا جديدة، من الطّائفية والعرقية إلى الفئوية وغيرها. والمتعصب لا يدخل النّقاش بحثًا عن الحقيقة بقدر ما يدخله بحثًا عن ما يؤكّد اعتقاده السّابق.

3- التّمييز، حين يتحوّل التّحيز إلى فعل:

يمثّل التّمييز (Discrimination) المرحلة التي تنتقل فيها الأفكار والمواقف إلى سلوك عملي. فبعد أن كان الآخر موضع تحيّز أو عداء في الوعي، يصبح حرمانه من حقّ من حقوقه أمرًا يمكن ممارسته على أرض الواقع: في العمل، والتّعليم، والمشاركة السّياسية، وحتى في أبسط شروط الكرامة الإنسانية. وتظهر هذه الممارسات، بحسب الأمثلة التي يطرحها عبد الجليل الطاهر عن الواقع العراقي، في حرمان بعض الأقليات من فرص العمل العام، أو تهميش مناطق كاملة بسبب الانتماء المذهبي أو العشائري. وهنا يصبح التّمييز شبيهًا بنظام «الأبارتايد»، وإن اتخذ في السّياق العربي صورًا مختلفة.

4- النّفاق الاجتماعي، الوجه الآخر للمشهد:

ومن أكثر المفاهيم إثارة في هذا التّحليل مفهوم النفاق الاجتماعي (Social Hypocrisy). فالفرد، حين يعيش داخل مجتمع تفرض فيه الأصنام الاجتماعية قيودًا صارمة على القول والسّلوك، قد يجد نفسه مضطرًا إلى الفصل بين ما يعتقده فعلًا وما يُظهره أمام الآخرين. فتنشأ عندئذ شخصية عامة تخفي شخصية خاصة مختلفة عنها. ويظهر ذلك بوضوح في بعض المجالس العشائرية والدّينية: ففي الجلسات الخاصّة قد تتردّد انتقادات قاسية للقادة والوجهاء، لكن الخطاب يتبدل تمامًا في المجال العام، حيث يحضر المديح والتّبجيل. ولا يتوقّف الأمر عند حدود السّلوك الفردي، إذ يمكن أن يتحوّل هذا الانقسام إلى سمة اجتماعية تضعف الثّقة المتبادلة، وتجعل العلاقات قائمة على الحذر والمراوغة. وفي هذه النّقطة يلتقي تحليل عبد الجليل الطاهر مع ما طرحه علي الوردي حول ازدواجية الشّخصية العراقية والعربية، مع إضافة تفسير يربط هذه الازدواجية ببنية السّلطة التّقليدية.

ثالثًا: أصنام تُعبد في الواقع.. العراق نموذجًا:

لا يقف تحليل عبد الجليل الطاهر في مستوى التّنظير، بل ينتقل إلى صور من الحياة اليومية، حيث يمكن رؤية هذه الأصنام وهي تعمل داخل المجتمع وتؤثر في العلاقات بين أفراده.

أ- القبيلة والعشيرة، صنم الدّم والقرابة:

في المجتمع العراقي، يمكن أن تتحول العشيرة من إطار اجتماعي يوفر التّضامن والحماية إلى سلطة تنافس القانون والدّولة، بل تتقدّم عليهما أحيانًا. وتظهر إحدى الصّور الأكثر وضوحًا في النّزاعات الثّأرية التي قد تودي بحياة عدد كبير من الأشخاص، لا لأن العدالة غائبة فحسب، وإنّما لأنّ منطق «الوجاهة الاجتماعية» يفرض على العشيرة أن تدافع عن أحد أفرادها حتى عندما يكون مخطئًا أو مجرمًا. وعندما يصبح «الدّم» هو المرجع، تتراجع العدالة الموضوعية. وما كان في السّابق يُحل أحيانًا عبر أعراف مرنة وآليات للوساطة، قد يتحوّل في الظّروف الحديثة إلى صراع مفتوح، خصوصًا حين تتضافر الأزمات السّياسية والاقتصادية مع ضعف مؤسّسات الدّولة. ومن هنا يربط عبد الجليل الطاهر بين تفكّك الدّولة وضعف القضاء، وبين عودة العصبيّات القبلية، محذرًا من أن تقديم هذه العودة بوصفها رجوعًا إلى «الأصالة» قد يخفي في الحقيقة عودةً إلى الفوضى ولكن في صورة مقنّعة.

ب- الطائفية والمذهبية، صنم الهوية المطلقة:

يمنح عبد الجليل الطاهر التّعصب الطّائفي مساحة واسعة من تحليله، متوقّفًا عند الطّريقة التي تتشكّل بها صور «الآخر» داخل الوعي منذ الطّفولة. وقد تصل هذه الصّور إلى درجة من السّخرية والكاريكاتورية، لكنّها لا تبقى دائمًا في حدود النّكات والنّوادر؛ ففي أوقات الأزمات يمكن أن تتحوّل إلى مبرّر للعنف والإقصاء. وتظهر المفارقة في مجالس «التّنفيس الطّائفي»، حيث تُتداول في الجلسات الخاصّة نكات وقصص تزدري الطّوائف الأخرى، ثمّ يتغير الخطاب في المجال العام ليحل محلها حديث عن التّعايش والتّسامح. هذا الانفصال بين الخاص والعام يراكم توترًا مكتومًا. وتبدو الصّورة، في هذه الحالة، أقرب إلى برميل بارود لا يحتاج إلاّ إلى شرارة كي ينفجر. ويزداد الأمر خطورة حين تدرك قوى سياسية مستفيدة أنّ استمرار التّوتر الطّائفي يخدم مصالحها؛ إذ إن تهدئة حقيقية قد تعني انكشاف ضعفها الإداري وفسادها، ولذلك يصبح إبقاء الانقسام حيًا جزءًا من آليات استمرار النّفوذ.

ت- المرأة، صنم الشّرف المجتزأ:

في أحد أكثر جوانب تحليله جُرأة، يناقش عبد الجليل الطاهر الطّريقة التي اختُزل بها مفهوم «الشّرف» في جسد المرأة وسلوكها، حتى أصبح بعض الرّجال يمنحون أنفسهم سلطة مراقبتها ومعاقبتها باسم حماية القيم. وتتجلّى هنا إحدى صور ازدواجية المعايير: يُغض الطّرف عن أخطاء الرّجل، بينما تُضخَّم أخطاء المرأة وتتحوّل إلى قضية تمسّ شرف الجماعة كلّها. وتأخذ هذه الازدواجية أشكالًا أكثر قسوة حين تُبرَّر ممارسات العنف الأسري والقمع الاجتماعي بغطاء ديني أو عرفي، بينما يكْمُنُ خلفها، في كثير من الحالات، منطق السّيطرة الذّكورية. والخروج من هذا الوضع يقتضي، وفق هذا التّصور، إعادة بناء مفهوم الأخلاق على أساس شامل لا يقوم على معايير مزدوجة، والنّظر إلى المرأة باعتبارها فاعلًا اجتماعيًا كامل الحقوق، لا موضوعًا دائمًا للوصاية.

ث- أصنام السّلطة والوجاهة، مسرحية التّقديس:

يستعيد الطاهر هنا صورة «المسرح» ليصف العلاقة بين المجتمع وأصحاب السّلطة والوجاهة. ففي حضور القادة والوجهاء ورجال الدّين، تتعالى عبارات المديح والتّبجيل، بينما قد يتغيّر الخطاب تمامًا في غيابهم، فتظهر السّخرية والسّخط. ولا يرى عبد الجليل الطاهر في هذه الظّاهرة مجرد ضعف أخلاقي لدى بعض الأفراد، وإنّما يراها نظامًا اجتماعيًا كاملًا. فحين يتعوّد القائد على سماع المديح، ينفصل تدريجيًا عن الواقع، وحين يعتاد المجتمع على التّملق، يفقد القدرة على مساءلته. والأخطر أن أصحاب السّلطة أنفسهم قد يدركون طبيعة هذه اللّعبة ويعملون على استمرارها، من خلال الإعلام الذي يملكونه، والخطاب الدّيني المسيس، وأنماط التّعليم التّقليدي. والغاية في النّهاية واحدة هي الحفاظ على النّفوذ والمصالح عبر إبقاء الجمهور داخل دائرة التّقديس بدل النّقد.

ج- اللغة والتشويه، أصنام السّوق في الخطاب اليومي:

لا تعمل الأصنام دائمًا عبر القوّة المباشرة؛ فقد تعمل عبر الكلمات. يتتبع  عبد الجليل الطاهر الطّريقة التي يمكن أن تتحوّل بها المفردات الأخلاقية والدّينية إلى أقنعة تخفي وراءها نيّات وممارسات مختلفة. ففي السّوق، سواء أكان اقتصاديًا أم سياسيًا، قد يمتلئ الخطاب بالآيات القرآنية، والأمثال الشعبية التي تتحدث عن الأمانة والزّهد، بينما تُمارس الانتهازية والجشع في الواقع بلا حرج. ويصف عبد الجليل الطاهر هذه الظّاهرة بأنّها «صنم اللّغة الزّائف»: إذ هي كلمات كبيرة تُستخدم لإخفاء سياسات الإقصاء والتّهميش أو لمنحها شرعية تبدو أخلاقية. ولذلك فإنّ تفكيك هذا الصّنم لا يبدأ بإدانة الكلمات، بل بإعادة الوعي إلى العلاقة بين اللّغة والفعل، وبتدريب المجتمع على اكتشاف التّناقض بين الخطاب والممارسة. وهذه مهمة نقدية يحمّلها عبد الجليل الطاهر-ضمنًا- للإعلام والتّعليم بقدر ما يحمّلها للفرد.

رابعًا: القوى المستفيدة.. كيف تُروَّج الأوهام وتُصنع القدسية؟:

لا تستمر الأصنام الاجتماعية من تلقاء نفسها دائمًا. فهناك نُخب تستفيد من بقائها: نخب سياسية، ودينية، واقتصادية، وثقافية، تدرك أن استمرار نفوذها يرتبط، بدرجة ما، ببقاء الجمهور في حالة من الخمول الفكري وعدم المساءلة. ومن بين الأدوات التي يمكن أن تُستخدم في هذا السّياق:

  1. صناعة الإشاعات وتوجيه الغضب الشّعبي نحو «عدو خارجي»، سواء تمثّل في طائفة أخرى أو في الغرب، بما يسمح بتحويل الأنظار عن المشكلات الدّاخلية.
  2. إعادة صياغة التّعليم والتّاريخ بطريقة تمنح جماعة معينة صورة بطولية مطلقة، وتهمّش جماعات أخرى أو تحذفها من المشهد.
  3. السيطرة على وسائل الإعلام وتحويلها من مساحة للنّقاش والنّقد إلى منبر للمديح والتّبرير.
  4. توظيف الدّين بوصفه غطاءً مقدسًا لبعض السّياسات والمصالح، ومنح القرارات البشرية شرعية يصعب معها مساءلتها.

ويستعين الباحث بصورة الأصنام الوثنية القديمة لتوضيح هذه الآلية: كان الكهنة، في بعض التّصورات القديمة، يوهمون النّاس بأنّ الأصنام تتكلّم وتأمر، بينما كانت الخيوط تُدار من خلف السّتار. أمّا أصنام العصر الحديث، فهي أكثر تعقيدًا؛ لأنّها لا تظهر دائمًا في هيئة واضحة، بل تختبئ خلف مفاهيم جذابة مثل «الهويّة» و«الأصالة» و«المقاومة». ولهذا قد يتحوّل نقدها إلى تهمة بالخيانة بدل أن يُنظر إليه باعتباره ممارسة طبيعية للعقل النّقدي.

خامسًا: نحو تحطيم الأصنام.. الرؤية النقدية لعبد الجليل الطاهر:

ينتهي الطاهر إلى أن تحرير المجتمع العراقي والعربي من التّخلف والتّبعية لا يمكن أن يتحقّق بمجرد تعديل القوانين أو تحسين الأوضاع الاقتصادية. فالتّغيير، في جوهره، ينبغي أن يصل إلى البنى التي تتشكّل داخلها القناعات منذ الطّفولة.

1-تفكيك التّنشئة الاجتماعية التّقليدية:

تبدأ المشكلة في الأسرة، والمدرسة، والمسجد، ووسائل الإعلام، حيث تُغرس كثير من التّصورات منذ السّنوات الأولى من حياة الفرد، عبر القصص والأمثال وأنماط التّربية الأبوية الصّارمة. ومن ثمّ فإنّ الإصلاح لا بد أن يعيد النّظر في هذه العملية كلّها، وأن يفسح المجال أمام تربية تنمي التّفكير النّقدي والتّسامح، وتدرب الطفل على السّؤال بدل الاكتفاء بتلقي الإجابات الجاهزة. فالمطلوب، ببساطة، أن يتعلّم الطفل أن يسأل «لماذا؟» قبل أن يُطلب منه أن يحفظ «ماذا».

2-بناء نظام تعليمي علمي وتنويري:

ينظر الباحث إلى التّعليم التّقليدي، في أجزاء واسعة من العالم العربي، بوصفه أحد المجالات التي يمكن أن تعيد إنتاج الأصنام عندما يُقدَّم التّاريخ باعتباره سلسلة من الأساطير البطولية، والأخلاق باعتبارها أوامر جامدة، والعلم باعتباره مادة للحفظ والتّكرار، يصبح التّعليم نفسه عاجزًا عن صناعة عقل مستقل. ولهذا يدعو إلى تعليم يقوم على الشّك المنهجي، والبحث الحر، واحترام الاختلاف، وقبول تعدّد وجهات النّظر. وهي مبادئ تتعارض بطبيعتها مع «أصنام المسرح» التي تقوم على التّبعية الفكرية والتّسليم بالسّلطة.

3-مواجهة النّفاق الاجتماعي بنقد أخلاقي جريء:

يضع الباحث النّفاق الاجتماعي في قلب المشكلة؛ لأنّه يمنع تكوّن المواطن المتّسق مع نفسه. فالمواطن الذي يريده لا يعيش بشخصيتين: واحدة يعلنها أمام النّاس، وأخرى يخفيها عنهم، وإنّما يكون سلوكه قريبًا من قناعاته، ويستطيع أن يقول ما يعتقده دون أن يتحوّل إلى تابع للمجاملات الاجتماعية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى ثقافة نقدية تشجّع الصّراحة، وتضع حدًا للتّملق والمديح الزّائف، وإلى ممارسة سياسية تقيس المسؤولين بأفعالهم لا بخطبهم وشعاراتهم.

4- إعادة تعريف الولاءات:

وأخيرًا، فإنّ تحطيم الأصنام يقتضي إعادة بناء مفهوم المواطنة على أساس مدني تعاقدي يجعل الانتماء الوطني إطارًا جامعًا فوق الولاءات الفرعية: القبلية، والطّائفية، والعشائرية.. وغيرها. ولا يعني ذلك محو هذه الانتماءات أو إنكار وجودها، وإنّما وضعها في مرتبة ثانوية أمام مبدأ المساواة في المواطنة. وتقدم تجارب تاريخية مختلفة في المنطقة والعالم نماذج لمجتمعات استطاعت، بدرجات متفاوتة، تجاوز انقساماتها الفرعية من خلال مشاريع وطنية جامعة. لكن الطّريق، كما يقر الباحث، ليس قصيرًا ولا سهلًا؛ إذ إنّ تفكيك صنم ترسّخ في الوعي الجمعي قد يكون أصعب بكثير من بناء مؤسّسة جديدة. وفي النّهاية، لا يكْمُن التّحدي الحقيقي في تحطيم صنم واحد، بل في استعادة القدرة على السّؤال: من صنع هذا الصّنم؟ ولماذا نمنحه كلّ هذه السّلطة؟ ومن المستفيد من بقائه؟ فالمجتمع الذي يستعيد حقه في طرح هذه الأسئلة يكون قد خطا الخطوة الأولى نحو التّحرر من الوِصَاية التي تصنعها الأصنام، ومن الهيمنة التي تتغذّى على تقديسها.



 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التعبير والتجريد في الشعر الحديث.. بقلم : حبيب مونسي

  كيف كان الشعر العربي..وكيف أصبح؟ ما هي مشكلته اليوم؟ التعبير والتواصل.. التجريد والاغتراب؟ كيف ينظر النقد إلى هذه المعضلة؟ .. ما المخرج إذا؟

التمثيل في القرآن الكريم.

تتناول هذه المداخلة التمثيل في القرآن الكريم باعتباره أسلوبا مشهديا لتقريب المعنى وتجسيده أمام القارئ كما تبين دور التمثيل في فتح الدلالة على آفاق تأويلية متعددة.

نظرية التلقي.. رؤية فلسفية أم منهج؟؟ كيف فهمناها؟؟ بقلم : حبيب مونسي

كثيرا ما صرنا نلهج اليوم بشيء يسمى نظرية التلقي .. ويسعى كثيرا من طلبة الجامعات إلى التقاط هذا العنوان ليكون شارة في دراساتهم.. لكن هل فعلا نعي خطورة ما نقدم عليه؟؟ هل فعلا فهمنا المراد منها؟؟ أم أننا دوما نجري وراء مسميات فارغة نزين بها لوحاتنا البحثية.؟؟

أحاديث في النقد والأدب والفكر..محمولات الألفاظ الثقافية....الحلقة 04.

تتناول هذه الحلقة الحديث عن المحمولات الثقافية التي يكتنزها اللفظ والتي تتراكم فيه عبر الازمنة والاستعمالات فتكون بمثابة المرجع الثقافي والمعرفي الذي يحيل عليه اللفظ. وحينما يستعمل الأديب الألفاظ إنما يريد استثمار تلك المحمولات لترفد المقاصد التي يرومها والمرامي التي يرد للمعنى أن ينفتح عليها.. كما أنها تدفع القارئ إلى تحرك ثرائها لإنتاج المعنى وتحيين النص قراءة وتلقيا..

نقرأ لنكتب أم نكتب لنقرأ؟هل بيننا وبين الغرب في هذا من اختلاف؟ بقلم : حبيب مونسي

هل نقرأ لنكتب؟ أم نكتب لنقرأ؟ ما الفرق بين الوضعيتين؟ هل تقديم القراءة على الكتابة يغير من وضعها؟ هل تأخير الكتابة على القراءة يكشف جديدا في العملية الإبداعية؟ لماذا لا يرى الغرب من وجود للعالم إلا داخل الكتابة؟ ولماذا نراه خارجها؟ هل هذا الفهم يفرض علينا أن نعيد النظر في نظرياتنا النقدية الحداثية؟

حوار حول رواية: مقامات الذاكرة المنسية. مع حبيب مونسي. بقلم : تقار فوزية

مقامات الذاكرة المنسية، الرواية الماقبل الأخير للروائي الناقد الأستاذ حبيب مونسي والتي حظيت بعدد من الدراسات الأكاديمية- رسائل ماجستير ودكتوراه .  إنها الرواية التي حاولت أن لا تشتغل بأساليب السرد الغربية التي شاعت في الكتابات الجديدة،