التخطي إلى المحتوى الرئيسي

في فقه الصورة دراسة في وظائف الصورة الفوتوغرافية بين البث والتلقي.

 في فقه الصورة

دراسة في وظائف الصورة الفوتوغرافية بين البث والتلقي.

 

.حبيب مونسي

عضو المجلس الأعلى للغة العربية1

كلمة لابد منها:

 قد يجد الباحث نفسه في كثير من القضايا أمام سبيلين لمعالجة موضوعه: إما أن يأخذ بالجاهز المنتهي الذي تقع عليه الأيدي في كل كتاب، ومجلة، ومقال، وإما أن يقف في الطرف الآخر فلا يأخذ من تلك البحوث إلا المعرفة العامة التي تتيح له إلقاء نظرة شاملة على الجهود التي أنفقها الدارسون في هذا الحقل أو ذاك. ثم يدلي بدلوه فيما أثاروه من أفكار وما طرحوه من قضايا، وما عرضوه من حلول.. والذي يسلك السبيل الأول ليس له من الجهد إلا الجمع والتصنيف، وربما انتهى إلى شيء من الرأي أخيرا. غير أنه الرأي الذي تشكل في إطار معرفة غيرية تلقاها مما جمع ورتب. وأن الرأي الذي يخرج به ليس رأيه أصالة، وإنما هو من قبيل الخلاصات الجاهزة التي ينتهي إليها كل من سلك  منهجه. أما الثاني فسبيله المغامرة التي تطوح به بعيدا عن الطريق المعبد المهيأ،وتجعل سيره ضربا من الفتح في كل خطوة يخطوها. غير أن ما يصل إليه لن يكون دائما عين الحق الذي يبحث عنه، بل قد يكون ضربا من التضليل يضاف إلى ما قيل من قبل في الموضوع، وقد يكون فتحا جديدا ينعطف بالدرس إلى وجهات جديدة ما كان للبحث أن يصل إليها لولا المغامرة، والإصغاء إلى نداءات الذات في تحسسها لعناصر الموضوع.

ذلك ما يثيره موضوع الصورة حين يقبل عليه الدارس، منقبا فيما كتب ونشر من مقالات وبحوث، تحمل في عناوينها إغراء المنهج الجديد،والرؤية المستجدة، والطرح النفسي،والاجتماعي، والأنثربولوجي، والسياسي، والاقتصادي، وغيره...  وكأن الظاهرة الجديدة قد تمت محاصرتها من كل جانب، وأن هذه المداخل المعرفية كفيلة بأن تعطينا القول الفصل في الموضوع. وربما كان من المجدي قراءة قوائم المصادر والمراجع التي تذيل كل بحث، فتجد فيها الرأي الذي يبدأ من "أرسطو" لينتهي إلى آخر باحث في الإشهار وعلوم الاتصال. وكأن الصورة لم تغب عن حاضر الإنسان لحظة من اللحظات،وأنها في عينيه وأحاسيسه ولغته، لا تنفك من التشكل في هيئات مختلفة، وتتلون في وضعيات لا متناهية.

إذا فهي ليست بالموضوع الجديد، ولا الظاهرة الطارئة  في حياة الناس، حتى يضج لها أهل المشرق والمغرب، ويجعلون عصرهم عصر الصورة بامتياز.. أم أن شيئا في الصورة قد تغير فأحدث فيهم هذا الهلع الذي نشهده في كل قول وكتابة!. إنها اليوم تهدد فيهم شيئا لو قدِّر له الاختفاء لانتهت إنسانيتهم نهاية لا رجعة فيها!.. نعم ذلك هو مبعث الهلع في كل الدراسات.. شيء ما يتوارى.. يتراجع.. يختفي وراء سطوع الصورة وتألقها!.

هل يشمل التهديد والخوف الذي تثيره الصورة عامة الناس شرقا وغربا؟ أم أنها تخص طائفة من الناس لهم بها وثيق الصلة، فانقلبت عليهم مثلما ينقلب السحر على الساحر، أو مثلما يفعل العبد الآبق الذي يدفع شر سيده بشر مثله أو أشد منه.؟ فإذا قسمنا العالم إلى شطرين: شطر مستهلك ليس له من الأمر شيء إلا استقبال المادة والاستزادة منها. وهم الغالبية من الناس. وشطر منتج يسخرون الصورة من أجل أهدافهم ومراميهم، يستعملونها سلاحا لإثارة الغرائز، وفتح أبواب الشهوات،تحفيزا وتكييفا، دعاية وإشهارا، وهم قلة قليلة تتربع على عرش المال والأعمال.

إننا في عالم الصورة، لا نقسم العالم إلى أقطاب سياسية وأيديولوجية، وإنما نقسمه إلى قطبين: مستهلك ومنتج.. ثم تأتي السياسات والأيديولوجيات من وراء ذلك لتعزيز الرؤى والتوجهات التي ينتهجها المنتج في استنزاف الطاقات، وتلويث الفضاءات،وخلق أفواه دائمة الجوع للاستهلاك الذي يتصاعد بتصاعد وتيرة الإنتاج. فالذي كان يرى العالم قائما على أفكار ورؤى دينية،أو قومية، ثم على أيديولوجيات وتوجهات سياسية، ثم قطبا أحادي التوجه، عالمي الهيمنة، ولا يرى من وراء ذلك وقوع البشرية في قبضة سماسرة المال والإنتاج، فهو راءٍ لا يمكنه أن يعرف مقدار الهلع الذي تحدثه الصورة اليوم في قلوب هذه الطائفة بالذات، والتي تسارع إلى حجب الصور والتدقيق فيها قبل إخراجها للاستهلاك العام. غير أنها تعلم أنها ترتدُّ عليها محملة بما يفضحها، ويفشي حقيقتها أمام الرأي العام.

إنها الرؤية التي نحاول إخراجها في هذه المقالة من خلال المحطات التالية:

1-الصورة: التمثيل والحياد.

2-الصورة: الرسالة والتعبير.

3-الصورة: التدجين والتكييف.

4-الصورة: التجاوز والتمرد.

إنها الخطوات التي تحاول كتابة تاريخ جديد للصورة، لا يغترف مادته من التوالي الزمني ومراحل التطور، وإنما يتوقف أساسا عند وظائف الصورة وتحولاتها من خلال الإنتاج والتلقي، والتأثير والأثر.

2-الصورة: التمثيل والحياد:

         مثلما قام الفن في خطواته الأولى على المحاكاة واستمر كذلك إلى نهاية القرن السابع عشر تقريبا لدى الغرب والشعوب الأخرى ، استمرت الصورة المرسومة في تمثيل موضوعها تمثيلا أمينا حد الاستطاعة والمهارة، وكانت فكرة التطابق هي أسمى المراتب التي يطمح إليها الرسام، فكانت الصورة بذلك تأخذ مفهوم "التمثيل" "image" الذي لا يدعي أبدا أنه يطابق موضوعه مطابقة كلية، وإنما يسعى إلى نقل تمثيل له عبر الصورة. وكأن الهدف الأول والأخير من إخراج الصورة إنما ينتهي عند حد تمثيل الموضوع وحسب، ولا يتعداه أبدا، بل ليس له من طموح إلا ذلك العرض الأمين المحايد.

         لقد عززت فكرة المحاكاة هذا المنطلق في الفن، وأرست له القاعدة النظرية والجمالية التي استند إليها في كافة الفنون،فكانت الصورة اللفظية،والصورة الفنية،والنحتية، والمسرحية.. كلها تدور في فلك المحاكاة التي ترجع موضوعها إلى التمثيل والتقريب. ومعيار جودتها لا ينفك لصيقا بالموضوع الذي تعرضه. ولم تكن الصورة الفوتوغرافية في نشأتها بدعا من ذلك التوجه العام. فقد اجتهد أهلها في تأكيد المحاكاة، حتى وإن اضطرتهم التكنولوجيا البدائية للمصورة إلى إجبار الموضوع على الوقوف لساعات أمام العدسة المفتوحة على ضوء الشمس الساطع. وهي الهيئة التي تعيد لأذهان جلسات التصوير أمام الرسام لساعات، في وضعيات خاصة، وفق زاوية نظر محددة.

         لقد كانت نظرية المحاكاة صادقة في إدعاءاتها، فلم تزعم في يوم من الأيام أنها تسعى إلى المطابقة الكلية للموضوع، وأنها ستجعل الدال هو عين المدلول في لغة اللسانيين، وإنما ركزت على التمثيل الذي يتراجع درجات عن موضوعه. فإذا زعمنا أن الصورة الفوتوغرافية تقوم هي الأخرى على المحاكاة  ليكون الدال فيها عين المدلول، وتفوز في نهاية المطاف بالحياد التام الذي تتجرد فيه من الإنساني الخاص في كل رسم وفن،فإننا نفعل ذلك لأننا نستثني منها جملة السياقات التي تصاحب نشأتها.. تلك السياقات التي تقدم لنا الموضوع وهو يستعد للصورة فيختار المجال الذي سيظهر فيه، والملبس الذي سيتزين به، والهيئة التي سيطل بها على العدسة، جالسا، أو واقفا، أمام مكتبته، أو في باحة بيته، أو متجره.. وكأن الموضوع يملي على الصورة طبيعة المعنى الذي يجب عليها إخراجه فيها.

         هل يكون حيادها في تجسيد رغبة موضوعها فقط؟ لقد كان في فن الرسم تجاذب بين ما يريده الموضوع، وما يستطيعه الفنان. أما في الصورة فإننا نعرف القدرة التقنية للآلة ونظمن فيها الدقة، ونعرف ما يريده الموضوع لذاته في الصورة. لذلك قال "رولان بارت" "Roland Barthes" عن الصورة:« لقد أردت أن أعرف ما هي في ذاتها، وأي السيمات  تميزها عن مجموع الرسومات»( Roland Barthes. La chambre Claire.1966.) ([1]) ومعرفة الشيء في ذاته تجريد له من وظائفه قبلا وصولا إلى حقيقته الأنتولوجية مثلما يقولون. ساعتها سيطرح سؤال آخر يتعلق بالتصنيف. أي في أي خانة يتوجب علينا وضع الصورة لنفهمها أكثر؟

         إن الرسم نشاط فني يحتاج إلى وسيط لتجسيد رغبة الفنان. وهو التعريف الذي قدمه "جيروم ستولنيتز" حين تحدث عن المادة  باعتبارها" وسيطا" "Médium" يقع بين " الرّغبة" و"الفعل" . ذلك أنّ الرّغبة تحدّد المرامي، وتبيّن الهيئة التي يصبو إليها العمل الفنّي، والفعل إنجازٌ وتحقيقٌ لها تدريجيا في المادّة.( حبيب مونسي. فلسفة القراءة وإشكاليات المعنى.2005)([2]) بيد أن الصورة لا تقدم شيئا من ذلك الترتيب الذي يتحدث عنه "ستولنيتز" والمصور فيها "عامل" فقط، قد يتدخل في إصلاح شأن الموضوع، مستجيبا لمتطلبات الصورة: من ضوء، وبعد،وزاوية، وفق خواص آلته. وتلك هيئة تبعده عن هيئة الرسام في معمله، حينما يقابل لوحته من جانب وموضوعه من جانب آخر،فيركز أساسا على المعاني التي يجب على ألوانه أن تحملها للمشاهد. إنه يختزل موضوعه إلى المهم الذي يشد الانتباه، ثم يقوم بتعمية الخلفيات التي لا تتغاضى عنها أبدا آلة التصوير. فإذا كان الرسام يختزل ويختار من موضوعه، فإن الآلة تنقل كل شيء عن موضوعها نقلا أمينا كما تراه في واقع الحال. لأنها إنما تقتطع من الدفق الحياتي الجاري لحظة واحدة تثبت فيها حركة في هيئة واحدة، وتخرجها من تيار توالي الأحداث ومجرياتها. إننا حين نشاهد الصورة إنما نشاهد في واقع الأمر "زمنا" تم إيقافه في لحظة مجسدا في هيئة، يمكن استنساخها فيبعد.

         لقد شعر "بارت" بهذا الحرج حين قال:« إن ما تنتجه الصورة إلى مالا نهاية، لم يحدث إلا مرة واحدة: إنها تعيد ميكانيكيا الذي لا يمكن إعادته وجوديا، وفيها لا يتحرك الحدث إلى شيء آخر.» (Roland Barthes. La chambre Claire.1966)([3]) وكأننا إزاء الصورة نشهد وجود عالمين متوازيين: عالم الأحداث في تواليها وتواترها وجريانها في الزمان والمكان، وعالم الصور الثابتة التي توقف الحدث عند نقطة معينة. وجماع الصور يوحي بعدد من اللحظات التي لا رابط بينها دلاليا، حتى وإن كانت مرقمة ومؤرخة. لأن لكل صورة زمنها الخاص الذي انطوى على تعبير خاص، وحمل في ثبوته مسحة عابرة ما كان للعين أن تحتفظ بها لولا ذلك التثبيت الدقيق لعين الآلة. إنها تتعامل مع السوانح ذات اللحظ الخاطف الذي لا يمكن إرجاؤه ولا العودة إليه، كبريق خاص في نظرة خاطفة.

         فالحياد إذا وهم يضاف إلى الصورة حينما نعتقد أنها أمينة فيما تمسكه من عناصر، أمينة فيما تعرضه من ألوان وهيئات. غير أنها حينما تعطي للعين البشرية فرصة تملي الصورة والتدقيق في اللحظة المسجونة في الورق، تكشف عن بعد تعبيري ينفتح على القراءة والتأويل، وتصبح به الصورة التي التقطت لتسجيل حادث تسجيلا محايدا، طرفا في معادلة دلالية عامرة بالأحاسيس والمعاني، قد تتجاوز في قدرتها التأثيرية كل النيات التي صاحبت عملية التصوير الأولى.

2-الصورة: الرسالة والتعبير:

         إننا كلما عدنا إلى الصورة، وتجاوزنا فيها الإطلالة العامة التي نتعرف من خلالها على موضوعها،واقتربنا قليلا لنبحث فيها عن العنصر المهيمن الذي يحتل من الصورة فضاء وحجما، يتصدر به العناصر الأخرى التي تتراجع لتقوم بمهمة التأثيث سدِّ الفراغ،تبين لنا أن المنظور الذي تعرضه الصورة، والزاوية التي تحددها الرؤية، ترفع العملية التصويرية من مجال الالتقاط العبثي إلى مجال الرؤية المحملة بالدلالة. ومن ثم يتحتم على متلقي الصورة أن يفرق بين وضعيتين لها: وضعية التعيين التي تشير فيها الصورة إلى موضوعها،ووضعية الإيحاء التي تتحرك فيها عناصرها استجابة للقراءة والتأويل. وأخيرا أين ينتهي التعيين؟ وأين يبدأ الإيحاء؟

         لقد كان "التعيين" و"التضمين" (الإيحاء) من المصطلحات التي اعتمدها "بارت" في جهازه المفاهيمي لمحاورة الصورة: «آخذا مصطلحي التعيين والتضمين كقطبين ووظيفتين مهمتين في سيميائية يالمسلاف،فإذا كانت "الوظيفية التعيينية" تطرح سؤال ماذا تقول الصورة؟ والتي ستجيب عنها القراءة الوصفية،فإن "الوظيفة التضمينية" (أو الإيحائية) ستطرح سؤالا إجرائيا وتأويليا،وهو كيف قالت/تقول الصورة ما قالته/تقوله؟»( عبد الحق بلعابد. سيميائيات الصورة بين آليات القراءة وفتوحات التأويل.2007) ([4]) وهما ما يطرح عادة على كل فن من الفنون. غير أن في تاريخ التلقي للفنون الأخرى تجارب تراكمت من خلالها الرؤى والنظريات،واختلفت من خلالها المقاربات، فكان من نتاجها ما يعرفه الفكر النقدي عبر مراحله وأعصره، تصب فيه كل حين تجارب أخرى تستند إلى فتوحات المعارف الإنسانية المتاخمة للفن، والتي تغني حقوله كل حين. بيد أن تلقي الصورة لم يحظ بها الفيض من التجارب، وفي غمرة التسارع الميكانيكي للصور قد لا يجد المتلقي فرصة الانتقال من التعيين إلى التضمين، وأن الصور حين تغمره يشعر إزاءها بما يشعر به الغريق الذي يطغى عليه الموج فيسد عليه منافذ الحياة كلها.

         قد نجد في قول "بارت" ضرب من السذاجة حين يقترح:« أن القاعدة الذهبية لقراءة الصورة هي أن نتقبلها ونستقبلها دون أحكام مسبقة،وهذه الأحكام المسبقة تأتي إما من مرجعياتنا الدينية،أو التاريخية،أو الثقافية،أو الإيديولوجية،أو الجمالية،التي تعتمد على قانون المنهيات والأمريات (أنظر ولا انظر،افعل ولا تفعل،قل ولا تقل..)،إلا أنه لا بد من الاعتراف بالمبدأ الذي تطرحه علينا قراءة الصورة،وهو تعدد التأويلات،أو جمعية التأويل» (عبد الحق بلعابد. سيميائيات الصورة بين آليات القراءة وفتوحات التأويل.2007)([5]) فكيف يتسنى ابتداء تجريد الواحد منا من مُشَكِّلاته الثقافية التي تصنع معرفته،وتُكيِّف أحكامه؟ فإذا كنا قد أنكرنا على الصورة الحياد، فيكيف نطلبه من المتلقي الذي ينتمي أصلا إلى جهة من الجهات؟ فالحاسة القارئة في المتلقي هي أصلا ذلك التفاعل المعرفي الحاصل بين المرجعيات في توافقها أو اختلافها، في تجانسها أو تنافرها، أما إذا انتقلت إلى دائرة الفعل فإنها حتما ستستجيب إلى ما يمليه عليها قانون افعل ولا تفعل.. الذي يُصرِّف السلوك وفق الرؤى المسجلة للعالم والأحداث.

         كما أن الغريب في اقتراح بارت، هو وجود هذا الإقرار بتعدد التأويلات، أو ما يسميه ب"جمعية التأويل" لأن الصورة لا تقترح عليك رمزا، ولا تعرض عليك مؤشرا، ولا أيقونا، وإنما تعرض عليك لحظة خاطفة من حدث، هي أقرب إلى لمح البصر منها إلى الرمز الثابت الشاخص بشكله ولونه وحضوره.. إننا في الصورة نشاهد خطفا من الحركة ارتسمت على الورق، فسجلت هيئة قد نقرأ فيها ما كان في الحدث من تشنج أو استرخاء، من غضب أو رضا،من طمأنينة أو قلق... وما شئت من الأحاسيس التي تركت بصمتها العجلى على القسمات والوضعيات. فقد يكون المصور أراد لصورته أن تقول شيئا، غير أنها اقتنصت في لحظتها نقيضه، وعرضت ما كان يحاول إخفاءه أصلا.

            يتابع "عبد الحق بلعابد" "بارت" في طرحه ذاك، ويقترح هو الآخر طريقة في التعامل مع الصورة قائلا:«

- عليه قبل كل شيء أن يسترشد بفطرته.

- الاعتماد على التلقائية،فهي أحسن معلم هنا.

- معرفة الوقع الذي أحدثته فيه،ومقدار المشاعر التي نقتها إليه.

- اللحظات الأولى لتلقي الصورة،هي لحظات مهمة لفهم تعقيداتها، وما ستكشفه لنا من معاني.» (عبد الحق بلعابد. سيميائيات الصورة بين آليات القراءة وفتوحات التأويل.2007)([6]) وكأن التجرد الكلي أمام الصورة من المستلزمات الإجرائية لقراءتها، أو على الأقل لانتظار صدور الوحي منها. غير أن الاعتماد على مصطلحات غامضة، مثل "الاسترشاد بالفطرة" هو ضرب من التعمية التي تفتح المجال أمام كل فهم يريد أن يعطي للاسترشاد معنى يوافقه ويواتيه. كما أن "التلقائية" ليست من المفاهيم النقدية، ولا من التصورات الفلسفية التي يمكن أن يستريح إلها الدارس، لأنها لا تعني شيئا سوى الوقوف في بلهنية أمام الصورة، ثم الانتظار الذي قد يطول أو يقصر لآت قد لا يأتي أبدا. ثم أن نجعل من التلقائية "أحسن معلم" فإننا بذلك نتجرأ ونتعدى حدود كل لياقة علمية، لأنه لم يعرف للتلقائية من قبل دورا تعليميا يؤسس معرفة.

         إن الباحث حين يقرر أن اللحظات الأولى لتلقي الصورة، هي لحظات مهمة لفهم تعقيداتها، أمر يحتاج إلى دليل وتفسير. لأن اللحظة الأولى لا تنقل إلى العين سوى المشهد في كليته مكتظا بالعناصر والألوان. والصورة -مثلما قلنا من قبل- لا تستثني شيئا من موضوعها، ومن ثمّ فإنه يتحتم على المشاهد العودة إليها كرة أخرى لفرز العناصر وتحديد هيمنة بعضها على بعض، وتوزيع أدوارها داخل المشهد المصور.

 يسمي "أندريه مالرو" هذا التراجع "انفصالا". لأن الانفصال حركة تقتضي الإلمام بالشّكل أعطتها الدراسات الجشطالتية اعتبارا في عملية الإدراك. فالأشكال أحجام في حاجة إلى مجال يتيح لها عرض أطوالها وأعراضها في إطار الحيز الذي تحتله. فهي لذلك كاللّوحة في حاجة إلى رؤية عن بعد قبل الاقتراب والتفرّس في التفاصيل. ولذلك كان التأويل في أبسط تعاريفه هو وضع المدركات في كلمات تقدّمها من جديد(ألكسندر إليوت. آفاق الفن.1979)([7]). ربما يكون من تعقيد الصورة أنها تستوقفك أولا بشكلها، بلونها، بغرابتها... لتتيح لك فرصة "الانفصال" الذي حدث بعد "اتصال" وتسمح لك بالتراجع قليلا إلى الوراء.. إنها لحظة القراءة التي تشحذ فيها الذات كل أدواتها القرائية، وتستخرج فيها كل طاقاتها التأويلية. لأنها ستكون أمام لحظة أوقفت الزمن في إحساس.. حدث.. ظاهرة.. تحتاج إلى كثير من الطاقة التأملية لاستخراج مادتها. وهي اللحظة الأكثر دقة أمام الصورة، لا تنفع فيها التلقائية،والفطرة.. وغيرها من الاستعدادات الأولية، وإنما هي لحظة موكولة إلى جهد تأملي ينقل اللون والشكل إلى معاني.. إلى أثر .. إلى كلمات.. إلى تعبير..

3-الصورة: التدجين والتكييف.

         يتفق جل الباحثين في حقل دراسة الصورة على أن قراءتها تتدرج وفق المنهج التالي:

 -1طبيعة الصورة ( وجوه،أجسام،حيوانات،أشياء من الطبيعة…)

 -2تحليل مكونات الصورة :

         1-2-التنظيم المجمل للصورة :

         2-2-المنظور :

         2-3 -الإطار :

         2-4 -زاوية النظر.

         2-5-الإضاءة والألوان .

-3  المنظور التأويلي/ تأويل الصورة. إلا أن المرحلة الثالثة من قراءة الصورة،ستستقل بنفسها كونها قراءة تأويلية،تجاوز القراءة الوصفية (المرحلتين السابقتين).( عبد الحق بلعابد. سيميائيات الصورة بين آليات القراءة وفتوحات التأويل.2007)([8])

         تمثل الخطوة الأولى مرحلة "الاتصال" "connexion" لأنها تعتمد على حاسة التعرف الأولية التي تحدد طبيعة الصورة وتعين مجالها، فهي: "طبيعة" "وجه" "حيوان" "حدث" إلى غير ذلك من المواضيع التي تتسع لها الصورة. وهي مرحلة حرجة في "حياة الصورة" لأنه يتوقف استمرار وجودها على قدرتها في إحداث اتصال بينها وبين المشاهد، يستوقفه.. يستدرجه إلى عمقها.. ولهذا السبب فهي مدينة إلى المصور، تستخرج من خبرته ويقظته، أدواتها الثلاثة التي تفتتح بها مرحلتها الثانية التي تسمى ب"التنظيم المجمل للصورة": من منظور، وإطار،وزاوية نظر، وإضاءة وألوان..

         لقد توسعت الكتب التقنية في شرح هذه المادة، وقُدِّمت فيها تجارب أشهر المصورين، من خلال أشهر الصور التاريخية التي تعتبر منارات في عالم التصوير. شارحة كيفيات التقاط الصورة، محددة طبيعة اللحظات التي يقتنصها المصور، وتنفتح فيها العدسة على المتفرد في الحادثة. غير أن ذلك يعد -اليوم -من ماضي الصورة، ولا يحسب له إلا حسابا ثانويا، لأن المصور يقف في قلب الحدث الجاري، يمطره بوابل من الصور المتتالية التي تتيحها آلته في الثانية. وإذا عاد إلى مكتبه، تعرض عليه الشاشة متواليات الصور، يرقبها بعينه الناقدة، وفق منظوره الخاص،أو وقف منظور الجهة التي تستخدمه. ثم تُستخرج الصور التي تستجيب لكل ذلك، ويطوى غيرها في ملفات النسيان.

         إنها مرحلة "التكييف" "conditionnement" التي تتجه فيها الصورة بخطاب مندس في هيئتها وألوانها، يتجاوز حاسة التمتع بالمشهد إلى رسم فكرة عنه، تستغل الطاقة التعبيرية الكامنة في المنظور الذي يعرض شيئا على حساب شيء آخر ويخفي كثيرا من التفاصيل في ضبابية الأبعاد، وتراجع الوضوح إلى عتمة الغائم الغامض، والإطار الذي يقتطع من الحدث حيزا يخرج الصورة من إطارها المكاني/التاريخي إلى إطار مفتعل تتراجع فيه حدود الزمان والمكان.

         لقد كان الإطار في فن الرسم عنصرا منظما للمعنى، فهو الذي يلم شعث الصورة، ويهذب الشطط فيها، غير أنه في الصورة الفوتوغرافية يعمل عملا عكسيا، حين يقوم بعزل عناصر تنتمي إلى الحدث انتماء جوهريا فيبقيها خارج دائرة الضوء. ويختزل الحدث إلى جزئية قد لا تفيدنا في رسم واقعية الأحداث. حتى صار الناس يعتقدون أن ما يشاهدونه على الصورة هو الحدث كله، وأن الصورة قد نقلت إليهم جملته وتفصيله في آن. ذلك الاعتقاد فيهم هو ما ننعته ب "التدجين" " Domestication" و"النمذجة" "Modélisation "،حين يعجز العقل أوالخيال عن تجاوز حدود الإطار، ويظل سجين الحيز الذي تسمح به أبعاد المنظور. إننا في هذه الحالة نعجز عن تخطي العناصر المعروضة إلى "الماقبل" و"المابعد" فيتعذر علينا إعمال فكرنا في المعروض علينا قراءة وتأويلا، وليس لنا إلا تسجيل الاعتقاد المبثوث في ثناياه، قبولا واستهلاكا..

         إن إدارة الصور في وكالات الأنباء، ومراكز الاستخبارات،تعمل على فرز اللحظات التي لا يمكن أن تُفَسر إلا في اتجاه واحد، ولا يمكن لها إلا حمل وجهة نظر واحدة، وإذا انفتحت على تأويل، فإنه حتما عائد إليها من طريق أو آخر. فلم تعد الصورة تسجيلاً للحظةٍ مرئية في مكان ما، إذ تجاوزت وظيفتها التقنّية ودخلت في عملية الصياغة الذهنية، ولعبة الحقيقة والزيف. فالصورة وإن باتت قادرة على فضح الحدث، ولكنها صالحة أيضاً للاستعمال من أجل إخفاء حقائق كثيرة، حين تمارس فعلاً ضدياً. وطالما أن أهم جزء في الصورة هو إيصالها، فإنها، كمنجز غربي بسبب تقنياتها المتقدمة وتجربتها الطويلة، تدخل في لعبة "التنميط" و"القولبة"  و"النمذجة" في أبعادها الإعلامية والسياسية والثقافية.»( فؤاد إبراهيم. ثقافة الصورة التحدي والاستجابة. وعي الصورة.. صورة الوعي.2007) ([9]) ذلك أن "التنميط" " Profilage" ينصرف إلى عملية خلق نمط من الناس، يتفقون في أذواقهم ويتجهون نحو قيم مهيأة لهم من قبل، وكأن تصنيف الناس وفق هذه الرؤية إنما يطمح إلى خلق طائفة ذات أبعاد واحدة متشابهة "unidimensionnel"، تتحسس الصورة فيهم ذلك الميل نحو مادتها تلك. فإذا تمادى التنميط في تأكيد معاييره انتهى سريعا إلى "القولبة" "Stéréotypes" التي تخرج للمجتمع شرائح من الناس يحملون وعيا "مفبركا" واحدا خاليا من حاسة النقد، مهيئا للقبول والاستجابة، لا يمكن نعتهم بالطبقة الاجتماعية، وإنما هم في جميع الطبقات يحملون نظرة واحدة للموضوع المعروض عليهم من فرط ما تلقوا من إشارات تستحثهم على ذلك السلوك. و"القولبة" لا تهتم بالأعمار والفروق الطبقية، وإنما تهتم أساسا بالاستهلاك، فقد يستهلك المادة الواحدة من هم في أعمار متفاوتة أشد التفاوت وبدرجة واحدة من النهم. عند هذا الحد تكون الشريحة البشرية قد انتهت إلى حدود "النمذجة" " Modélisation" التي تتلاشى فيها كل معالم الثقافة والانتماء الحضاري، وسيمات الاختلاف والتميز. لقد كانت أولى خطوات النمذجة العالمية -كما هو معروف- في توحيد اللباس، حين اكتسح اللباس الغربي كافة الشعوب، وأثناها عن ألبستها التقليدية، فخلق فيها قابلية الاندماج في الآخر، واستعمال قيمه ومعاييره في الأذواق والأحكام. بل بات الزي القومي عند بعضهم شارة على التخلف والسير خارج دائرة التحضر.

                        لقد باتت الاستهانة بسحر الصورة الموجهة من الأخطاء الإستراتيجية والتربوية التي  ترتكبها الهيئات، حين تتغافل عن دورها الدّسيس في الذهنيات والعقول والأذواق، ومفعولها "التسطيحي" الذي يلغي حاسة النقد، ويبلد الأحاسيس، ويطفئ شعلة المشاعر. لأن مصدر القوة الصورة:« يكمن في كونها بمثابة نص مرئي مفتوح على اللغات قاطبة، وأنها ثرية بقدر يسمح بقراءات متعددة. فاحتلال الصورة للطاقة البصرية مهّدت لاختراق المخيال العام، وبالتالي الانشغال الذهني، وصولاً إلى هيمنة المخبوء على الوعي، أي عبور الرسالة المندّسة في الصورة إلى مربع اللاوعي، بما جعل للصورة مهمة سرّية تتجاوز البصر إلى البصيرة.»( فؤاد إبراهيم. ثقافة الصورة التحدي والاستجابة. وعي الصورة.. صورة الوعي.2007)([10]) .

وقد كان أول استعمال لهذه التقنية الخفية في إملاء المواقف وصناعة الرأي العام، خلال الحملات الانتخابية الأمريكية، التي طورت مراكزها هذه التقنية من أجل حمل الناس على قبول هذا المرشح ورفض غيره. بل وحملت الصور رسائل تحط من قدر الخصم، وتكشف عن ميولاته الخفية، وتشير إلى مواطن الكراهة فيه باعتماد ضرب من الإيحاء يتجاوز عتبة الوعي ورقابته، ويستقر مباشرة في اللاوعي،وقد سمي هذا النوع من الصور الموحية "image subliminale". لأن انفتاح: « حدود الصورة يحيلها إلى مضخّة معرفية مكتظّة بحزمة دلالات، وإيحاءات، وتعبيرات لا تنتمي إلى مجرد البعد الجمالي منها، فثمة رسالة غير مرئية تتسرب خارج الحدود الرسمية للصورة، تسهم في إنجاب كوكبة مفهومية تعكسها على مجمل المناشط الثقافية والمعرفية المسؤولية عن صنع الوعي.» (فؤاد إبراهيم. ثقافة الصورة التحدي والاستجابة. وعي الصورة.. صورة الوعي.2007)([11]) فقد اعتمدت على تركيب خلفيات لمواضيعها، تقتحم الوعي بما تطرح من نقيض يعارض الموضوع ويختلف معه، فيكون التركيب النشاز للصورة مدعاة إلى ربط الموضوع الأصل بالخلفية ربطا مباشرا. فإذا تكرر الربط في هيئات مختلفات تأكد لدى الوعي صلة الموضوع بخلفيته، تم للصورة تكييف الذات في شعور محدد وموقف معين. كما يفعلون اليوم حين يربطون الإسلام وما يمثله من صور وإشارات بالإرهاب والعنف والخراب. فلا تكاد ترى شيئا يرمز للإسلام إلا ويقدم على خلفيات تشمئز منها النفس، فيم الربط سريعا على مستوى اللاوعي بين الموضوع وخلفيته. وكل الصور التي أنتجها الغرب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 تصب في هذا الهدف الاستراتيجي التي تتعاون فيه القوى السياسية والدينية والاقتصادية، كل بفكرته وأدواته.

4-الصورة: التجاوز والتمرد.

          قد يكون المثل القائل "انقلب السحر على الساحر" خير تعبير على المرحلة التي تمثل التجاوز والتمرد. ذلك لأن الصورة التي اكتسبت من التقدم التقني الدِّقةَ والوضوح، والسرعة في خطْف اللحظات التي تعجز العين عن رصدها، فتوقفها وقفا أبديا لتتيح للعين أن تتملاها في هدوء، وأن تستخلص منها مادة قد لا تكون في حسبان من أطلقها أول مرة. فحديث الساعة عن انفلات الصورة من سلطة الرقيب، وتمردها على إرادة التوجيه، وتجاوزها حدود الأهداف المسطرة. لأنها حينما تنفلت من سلطة الرقيب:« تحاول تشكيل أساطير وأيديولوجيات جديدة غير مسبوقة، بعيدا عن تلك الصور التي كرستها الوسائل الإعلامية عبر سنوات طويلة. الجندي الأمريكي في العراق والضغوطات النفسية التي يتعرض لها، يمكن تحويلها صورا فوتوغرافية فنية، وبالتالي تبدأ صورة أخرى في التشكُّل غير الجندي الأمريكي المتفوق دائما.»( عبد المنعم الحسني. قراءة الصورة الفوتوغرافية تحليل سميوطيقي.ع:38.) ([12])

 إن العين حينما تتجاوز هيئة الجندي المدرع بما يلبسه من بزَّة، وما يحمله على كتفيه من واق، وما يتدجج به من سلاح، تصادف وجها خاليا من كل إرادة، قد تقرأ في عينيه خوفا دفينا، وعدم إيمان بمهمة. فكل ما يصنعه من قتل وتدمير، إنه هو من قبيل دفاع متهور عن النفس، يستخدم فيه كل ما يتاح له من سلاح. وقوته الضاربة لا تفسر أبدا انطلاقا من إجادته لمهمته، وإنما هي –فقط- ردّات فعل غاشم، يستدفع بها عن نفسه أسباب الهلاك.

          وليس أمامنا من سبيل لبيان حقيقة التجاوز والتمرد إلا باستعراض أمثلة من الصور، نجسد من خلالها ما يتفصد عن الصورة من دلالات، تتجاوز حدود الرقابة، وتطرح على المشاهد أسئلة أخرى، تزعزع اعتقاده، وتحوله من قناعة إلى أخرى. ففي صورة لفتيات من فلسطين يعترضهم حاجز أمني يمنعهم من الذهاب إلى المدرسة، ويضع في طريقهم الحواجز، ويشهر في وجوههم السلاح، في وضعيات إطلاق النار. في هذا الإطار العام المحفوف بالخوف والحقد والكراهية، نرتقب أن تحمل إلينا الصورة علامات القوة والقهر والتصميم لدى الجندي الإسرائيلي، والهلع والتراجع والخضوع لدى الفتيات العزَّل.. غير أن الصورة في تمردها تخرج لنا الآتي:



 

تقدم الصورة في مشهدها العام قطاعين متضادين: قطاع الفتيات وقطاع الجندي الإسرائيلي، وهي تشير صراحة إلى التعارض الحاصل بين القطاعين، وأن الجندي يمثل المنع الذي يقف في وجوه الفتيات الذاهبات إلى المدرسة. ولسبب ما يقف العسكري لينفد قرار المنع والحرمان. غير أن الصورة حين تعرض مادتها في لحظتها الخاطفة لا تريد تسجيل المنع، ولا تشير إليه البتة، وإنما تتجاوز كل ذلك، وتهمله لتركز على تعارض من لون آخر. قد لا تستطيع العين أن تراه في خضم توالي الأحداث وتسارعها. بيد أن إيقاف الحدث في لحظة محدد، يرفع إلى العين رسالة مختلفة تحتاج إلى إعادة توزيع أدوار العناصر في فضاء الصورة على النحو التالي:




إننا حين نتوقف عند هذا القطاع من الصورة، نشاهد عددا من الفتيات الغاضبات، يصرخن في وجه أحدهم، وينعتنه بالأصابع، وقد حملت قسمات الوجه تعابير الرفض وعدم الاستسلام، بل نقرأ فيها كثيرا من الجرأة والإقدام، وإذا بحثنا عن علامات الخوف، أو القهر والتراجع فلن نجد لها أثرا في هيئاتهن، أو إشاراتهن. بل نكاد نسمع صراخهن ونفقه كثيرا من كلامهن. وهناك في الخلف نجد ابتسامة سخرية ترتسم على محيا إحداهن، وكأن الموقف لا يمت إلى سياق الاحتلال.

ثم نسأل أنفسنا: إلى من يتجه هذا الغضب كله؟ على من يصب ذلك الصراخ؟ في وجه من تشير الأصابع والأكف؟ وممن تسخر الابتسامة في الوجه الخلفي؟ إنها أسئلة تجعلنا نلتفت على القطاع الثاني: قطاع العسكري لنرى فيه:




 الجندي الإسرائيلي الذي يمسك برشاشه في وضعية إطلاق النار،يضع على أنفه الغليظ نظارة.. إنه مجند، مجبر على أداء الخدمة.. بزته العسكرية مهترئة..  غير حليق الذقن.. متعب.. ربما يقف لأيام في هذه النقطة التفتيشية.. ليس في هيئته ما يخيف.. ما يوحي بالقوة والتسلط.. وكأنه وهو يمسك بسلاحه ليس له من هم سوى الدفاع عن النفس.. إن التعبير الذي يتفصد من قسماته فيه كثير من البلهنية.. لن يمثل هذا الجندي بحال من الأحوال صورة الجندي الإسرائيلي التي يروج لها الساسة.. وقد نسأل هذا الجزء من قطاع الصورة: من يواجه هذا الجندي؟ من هو عدوه الذي يشهر السلاح في وجهه؟ إن البزة الكاملة تشير إلى أجواء الحرب! هل من حرب قائمة هناك؟

         وحين نعيد تجميع الصورة مرة أخرى، تتبدى أمامنا مسافات دلالية تتجاوز حدود الصورة إلى وضعيات تتفصد من الواقع، تجعلنا نطالع جيلا جديدا من الفلسطينيين، لم يعد يخيفهم الالتحام مع الجندي الإسرائيلي، يقذفون في وجهه غضبهم، وتمردهم، وتحديهم.. وأن هذا الجيل سيحقق في غده القريب الانقلاب الأكبر. إنك تراه الآن بعين أخرى:

هوامش:



[1] -Roland Barthes. La chambre Claire. Note sur la photographie. P.13/14.cahiers du cinema. Gallimard. Seuil.

[2] -أنظر حبيب مونسي. فلسفة القراءة وإشكاليات المعنى. ص: 182. دار الغرب.ط2. وهران. 2005.

[3] - Roland Barthes. La chambre Claire. Note sur la photographie. P.15.cahiers du cinema. Gallimard. Seuil.

[4] - عبد الحق بلعابد. سيميائيات الصورة بين آليات القراءة وفتوحات التأويل. ورقة مقدمة ل: مؤتمر فيلادلفيا الدولي الثاني عشر بعنوان ثقافة الصورة.- عمان: 2007.  مستشهدا ب: رولان بارث: بلاغة الصورة،في قراءة جديدة للبلاغة القديمة. ص:94،(تر) عمر أوكان. إفريقيا لشرق،1994،المغرب. 

[5] - عبد الحق بلعابد. سيميائيات الصورة بين آليات القراءة وفتوحات التأويل. ورقة مقدمة ل: مؤتمر فيلادلفيا الدولي الثاني عشر بعنوان ثقافة الصورة.- عمان: 2007. http://www.biblioislam.net/ar/Elibrary/Search

[6] -م،س.

[7] -أنظر ألكسندر إليوت. آفاق الفن. ص: 17. (ت). إبراهيم جيرا. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. لبنان. ط2. 1979.

[8] -عبد الحق بلعابد. سيميائيات الصورة بين آليات القراءة وفتوحات التأويل. ورقة مقدمة ل: مؤتمر فيلادلفيا الدولي الثاني عشر بعنوان ثقافة الصورة.- عمان: 2007. http://www.biblioislam.net/ar/Elibrary/Search

[9] -د. فؤاد إبراهيم. ثقافة الصورة التحدي والاستجابة. وعي الصورة.. صورة الوعي.. مؤتمر فيلادلفيا الدولي الثاني عشر(ثقافة الصورة ) 26-24 نيسان (إبريل) 2007 . . http://www.biblioislam.net/ar/Elibrary/Search

[10] - د. فؤاد إبراهيم، م،س.

[11] - د. فؤاد إبراهيم. ثقافة الصورة التحدي والاستجابة. وعي الصورة.. صورة الوعي.. مؤتمر فيلادلفيا الدولي الثاني عشر(ثقافة الصورة ) 26-24 نيسان (إبريل) 2007 . . http://www.biblioislam.net/ar/Elibrary/Search

[12] - عبد المنعم الحسني. قراءة الصورة الفوتوغرافية تحليل سميوطيقي - مجلة نزوى العدد 38.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التعبير والتجريد في الشعر الحديث.. بقلم : حبيب مونسي

  كيف كان الشعر العربي..وكيف أصبح؟ ما هي مشكلته اليوم؟ التعبير والتواصل.. التجريد والاغتراب؟ كيف ينظر النقد إلى هذه المعضلة؟ .. ما المخرج إذا؟

التمثيل في القرآن الكريم.

تتناول هذه المداخلة التمثيل في القرآن الكريم باعتباره أسلوبا مشهديا لتقريب المعنى وتجسيده أمام القارئ كما تبين دور التمثيل في فتح الدلالة على آفاق تأويلية متعددة.

نظرية التلقي.. رؤية فلسفية أم منهج؟؟ كيف فهمناها؟؟ بقلم : حبيب مونسي

كثيرا ما صرنا نلهج اليوم بشيء يسمى نظرية التلقي .. ويسعى كثيرا من طلبة الجامعات إلى التقاط هذا العنوان ليكون شارة في دراساتهم.. لكن هل فعلا نعي خطورة ما نقدم عليه؟؟ هل فعلا فهمنا المراد منها؟؟ أم أننا دوما نجري وراء مسميات فارغة نزين بها لوحاتنا البحثية.؟؟

أحاديث في النقد والأدب والفكر..محمولات الألفاظ الثقافية....الحلقة 04.

تتناول هذه الحلقة الحديث عن المحمولات الثقافية التي يكتنزها اللفظ والتي تتراكم فيه عبر الازمنة والاستعمالات فتكون بمثابة المرجع الثقافي والمعرفي الذي يحيل عليه اللفظ. وحينما يستعمل الأديب الألفاظ إنما يريد استثمار تلك المحمولات لترفد المقاصد التي يرومها والمرامي التي يرد للمعنى أن ينفتح عليها.. كما أنها تدفع القارئ إلى تحرك ثرائها لإنتاج المعنى وتحيين النص قراءة وتلقيا..

نقرأ لنكتب أم نكتب لنقرأ؟هل بيننا وبين الغرب في هذا من اختلاف؟ بقلم : حبيب مونسي

هل نقرأ لنكتب؟ أم نكتب لنقرأ؟ ما الفرق بين الوضعيتين؟ هل تقديم القراءة على الكتابة يغير من وضعها؟ هل تأخير الكتابة على القراءة يكشف جديدا في العملية الإبداعية؟ لماذا لا يرى الغرب من وجود للعالم إلا داخل الكتابة؟ ولماذا نراه خارجها؟ هل هذا الفهم يفرض علينا أن نعيد النظر في نظرياتنا النقدية الحداثية؟

حوار حول رواية: مقامات الذاكرة المنسية. مع حبيب مونسي. بقلم : تقار فوزية

مقامات الذاكرة المنسية، الرواية الماقبل الأخير للروائي الناقد الأستاذ حبيب مونسي والتي حظيت بعدد من الدراسات الأكاديمية- رسائل ماجستير ودكتوراه .  إنها الرواية التي حاولت أن لا تشتغل بأساليب السرد الغربية التي شاعت في الكتابات الجديدة،