التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سورة الإخلاص، نشيد التّوحيد الخالد.

 سورة الإخلاص، نشيد التّوحيد الخالد.

 

حبيب مونسي

 

01-  في البدء كان السّؤال:

كانوا يسألون: "صف لنا ربّك، أمن ذهب هو، أم من نحاس، أم من صفر؟" سؤال المشركين الجاهل، سؤال من يظن أنّ العظمة تُوزن بالموازين الأرضية، وأنّ الجلال يُقاس بالخامات المادية. وفي ذلك السّؤال البسيط تكمن مأساة الإنسان حين يحاول أن يحيط بالأزل بمعايير الفناء، وأن يلمس اللاّنهائي بأصابع الزّمن المحدود. فجاء الرّد من السّماء، لا كخطاب فلسفي طويل، ولا كمناظرة جدلية معقّدة، بل كقبس من نور، كنبضة قلب تكاد تخترق جدار الزّمن:  (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ). أربع كلمات، كأربع زفرات، رسمت ملامح الكون من جديد.

 02- "أحدٌ" لا "واحدٌ": سرّ البساطة المطلقة:

يتأمّل اللّغويون في كلمة "أحد" فيجدون فيها عالماً من الدّلالات لا توفيه كلمة "واحد" حقّها. فـ"واحد" قد يُطلق على ما يقبلُ التّجزئة، على جسد تتألف منه أعضاء، أو عددٌ يمتدُ إلى اثنين فثلاثة. أمّا "أَحَدٌ" فهي الصّفة المشبّهة التي تدل على تمكُّن الوصف واستقراره؛ إنّها البساطة التي لا تركيب فيها، والتّفرد الذي لا شريك له، والذّات التي لا تتجزّأ في الحسّ ولا في العقل.

تأمّل معي تلك اللّحظة التي يدرك فيها القلب أنّ الله "أَحَدٌ" إدراكاً حقيقياً؛ إنّها لحظة تتهاوى فيها كلُّ الأوهام عن التّعدد، ويسقط فيها كلُّ تصوّر عن الأجزاء والأعضاء والتّركيب. فالذي لا يتجزّأ لا يمكن أن تُصوّره العقول الضّيقة، ولا أن تُحيط به الخيالات المحدودة.

وها هو ابن القيم رحمه الله، في إشارة عابرة، يلمّح إلى أن "أَحَداً" أبلغ من "واحد" لأنّها تُفيد معنى الاستغراق في النّفي، كما نقول "ما في الدّار أَحَد" فننفي وجود أيّ إنسان بكلّ تأكيد. فكيف بمن يقول عن الله: (أَحَدٌ)؟ إنّه نفيٌ لأيّ وجود آخر يستحق الألوهية، نفيٌ لكلِّ شريك، ومعين، ومثيل.

03-  الصّمد: قِبلة الوجود كلّه:

ثمّ تأتي الكلمة التي تقبض على روح المعنى:  (اللَّهُ الصَّمَدُ). والصّمد هو السّيد الذي يُصمد إليه، أي يُقصد في الحاجات والنّوازل. إنّه الذي لا يُستغنى عنه طرفة عين، الذي يفتقر إليه كلُّ موجود في وجوده وبقائه، وهو الغني المطلق الذي لا يحتاج إلى معين ولا نصير.

تأمّل هنا الجمال البلاغي: بعد أن أثبت الوحدانية جاء ذكر الصّمديّة، فكأنّه يقول: هو الواحد الأحد، وهو مع ذلك المصمود إليه، المقصود في كلِّ حاجة. إنّه الكمال المطلق الذي لا يعتريه نقص، والعظمة التي لا تشبهها عظمة، والغنى الذي لا يدانيه غنى.

ويا للرّوعة! حين تقول: "الصّمد"، فأنت تنفي عنه كلَّ صفات المخلوقين: لا يأكل ولا يشرب، لا ينام ولا يلهو، لا يحوج ولا يعوزه شيء. هو الباقي بذاته، الدّائم بديمومته، الذي لا جوف له، ولا فراغ فيه، ولا نقص يعتريه.

  04-"لم يلد ولم يولد": انفصال أبدي عن المادة:

 

وهنا تأتي الضّربة القاصمة لكلِّ عقائد الشّرك والتّشبيه:  (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ). كلمتان فقط، لكنّهما تقطعان كلّ صلة بين الخالق وقوانين المادة والزّمن.

أما "لم يلد" فهي نفي للعلاقة التي يظنها البشر ضرورية للبقاء، نفي للحاجة إلى خلف يحمل الذّكر، وإلى عون يقوى به الضّعف. فمن يلد يحتاج، ومن يحتاج ليس بإله. وأمّا "لم يولد" فهي قطع لجذر الفكرة الأثقل على النّفس البشرية: فكرة أنّ الإله يمكن أن يكون حادثاً، مسبوقاً بالعدم، مفتقراً إلى موجِد. إنّها نفي للحدوث، ونفي للتّركيب، ونفي للكثرة، ونفي لكلِّ ما يمتّ بصلة إلى الوجود المادي المحدود. وهكذا، وفي لحظة واحدة، ينهار كلُّ ما بناه المشركون من أوهام: أبناء الله، وشركاء الله، وتولد آلهة من بعضها. كلّها تذوب أمام هذه الحقيقة البسيطة: الإله لا يلد ولا يولد.

05-  نفي الكفؤ: التّاج الختامي:

ثمّ تختم السّورة بتاجها: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ). أي ليس له مثيل، ولا نظير، ولا عديل. لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. وهنا يتكامل البناء العقدي: بدأ بـ "أَحَد" فنفى الشّريك، ثمّ جاء بـ"الصّمد" فنفى الحاجة والنّقص، ثمّ نفى الولادة والوالديّة فنفى التّركيب والحدوث، وأخيراً نفى الكفؤ فنفى المماثلة والمقارنة.

إنّها أربع آيات، كأربع دعائم، ترفع صرح التّوحيد في قلب المؤمن، وتخلّصه من كلّ شائبة شرك، وتحرّره من كلّ تعلق بغير الله.

 06- حين تصبح السّورة منهج حياة:

لكن السّورة ليست مجرد نصوص تُتلى، بل هي روح تُعاش. حين يستقر في القلب أنّ الله هو الأحَدُ الصّمد، تتحرّر النّفس من عبادة الأسباب، وتتخلّص من الخوف من المخلوقين، وتدرك أنّ كلّ قوّة في الكون إنّما هي عطاء منه، وكلُّ جمال هو انعكاس لنوره، وكلُّ خير هو فيض من فيضه. وحين يوقن العبد أنّه لا كفؤ لله، يدرك أنّ كلّ أحد في الوجود مهما علا شأنه، ومهما جلّت قدرته، فهو عبد فقير، ومخلوق ناقص، ومحتاج إلى مولاه.

وما أجمل ما ورد في الأثر: أنّ حبّ سورة الإخلاص يُدْخِل الجنة، وأنّ قراءتها في البيت تنفي الفقر عن أهله وجيرانه. ليس لأنّها طلاسم سحرية، بل لأنّها تغيّر النّظرة إلى الوجود، وتزرع في النّفس طمأنينة لا تزعزعها تقلبات الزّمن.

  07- خاتمة: نشيد الخلود:

في زحام الأصوات، وفي تشابك الأسئلة، وفي حيرة الإنسان بين مذاهب الفلسفة وتناقضات الأديان المحرّفة، تطلّ سورة الإخلاص كمنارة بيضاء، كقصيدة نورانية، كهمس أزلي يقول للإنسان: لا تبحث بعيداً، ولا تتعب نفسك في الأوهام، ولا تشغل قلبك بالخرافات. الإله واحد، صمدٌ، لم يلد ولم يولد، وليس له كفؤ.

إنّها الإجابة التي تريح العقل وتسكن القلب وتحرّر الرّوح. إنّها التّوحيد الخالص، الذي يخلّص الإنسان من أغلال الشّرك بأشكاله كلِّها: شرك العبادة، وشرك الطّاعة، وشرك التّعلق، وشرك الخوف والرّجاء.

فعش مع هذه السّورة، وتأملها، وردّدها في ليلك ونهارك، تجد أنّ الكون يضيء بنورها، وأنّ الحياة تصبح أكثر عمقاً، وأنّ الموت يصبح مجرد باب إلى لقاء الأحد الصّمد، الذي لا كفؤ له، ولا شبيه، ولا نظير. وهو الله، أحدٌ، صمدٌ، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.



 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التعبير والتجريد في الشعر الحديث.. بقلم : حبيب مونسي

  كيف كان الشعر العربي..وكيف أصبح؟ ما هي مشكلته اليوم؟ التعبير والتواصل.. التجريد والاغتراب؟ كيف ينظر النقد إلى هذه المعضلة؟ .. ما المخرج إذا؟

التمثيل في القرآن الكريم.

تتناول هذه المداخلة التمثيل في القرآن الكريم باعتباره أسلوبا مشهديا لتقريب المعنى وتجسيده أمام القارئ كما تبين دور التمثيل في فتح الدلالة على آفاق تأويلية متعددة.

نظرية التلقي.. رؤية فلسفية أم منهج؟؟ كيف فهمناها؟؟ بقلم : حبيب مونسي

كثيرا ما صرنا نلهج اليوم بشيء يسمى نظرية التلقي .. ويسعى كثيرا من طلبة الجامعات إلى التقاط هذا العنوان ليكون شارة في دراساتهم.. لكن هل فعلا نعي خطورة ما نقدم عليه؟؟ هل فعلا فهمنا المراد منها؟؟ أم أننا دوما نجري وراء مسميات فارغة نزين بها لوحاتنا البحثية.؟؟

أحاديث في النقد والأدب والفكر..محمولات الألفاظ الثقافية....الحلقة 04.

تتناول هذه الحلقة الحديث عن المحمولات الثقافية التي يكتنزها اللفظ والتي تتراكم فيه عبر الازمنة والاستعمالات فتكون بمثابة المرجع الثقافي والمعرفي الذي يحيل عليه اللفظ. وحينما يستعمل الأديب الألفاظ إنما يريد استثمار تلك المحمولات لترفد المقاصد التي يرومها والمرامي التي يرد للمعنى أن ينفتح عليها.. كما أنها تدفع القارئ إلى تحرك ثرائها لإنتاج المعنى وتحيين النص قراءة وتلقيا..

نقرأ لنكتب أم نكتب لنقرأ؟هل بيننا وبين الغرب في هذا من اختلاف؟ بقلم : حبيب مونسي

هل نقرأ لنكتب؟ أم نكتب لنقرأ؟ ما الفرق بين الوضعيتين؟ هل تقديم القراءة على الكتابة يغير من وضعها؟ هل تأخير الكتابة على القراءة يكشف جديدا في العملية الإبداعية؟ لماذا لا يرى الغرب من وجود للعالم إلا داخل الكتابة؟ ولماذا نراه خارجها؟ هل هذا الفهم يفرض علينا أن نعيد النظر في نظرياتنا النقدية الحداثية؟

حوار حول رواية: مقامات الذاكرة المنسية. مع حبيب مونسي. بقلم : تقار فوزية

مقامات الذاكرة المنسية، الرواية الماقبل الأخير للروائي الناقد الأستاذ حبيب مونسي والتي حظيت بعدد من الدراسات الأكاديمية- رسائل ماجستير ودكتوراه .  إنها الرواية التي حاولت أن لا تشتغل بأساليب السرد الغربية التي شاعت في الكتابات الجديدة،