التخطي إلى المحتوى الرئيسي

 العرب في الكوميديا والرواية

في القرن الثامن عشر  ([1])

PIERRE MARTINO.

Agrégé des lettres, Professeur au Lycée d'Alger.

بيير مارتينو مجاز في الآداب (Agrégé des lettres)، أستاذ في ثانوية الجزائر.

ترجمة وتعريب

أ.د. حبيب مونسي.

عضو المجلس الأعلى للغة العربية.

 

 

I

 

مِن المألوف اليومَ أن يكون حبُّ العرب موضةً رائجة؛ بل يبدو أنَّ العربيَّ يميل إلى الاستئثار بمشاعر إنسانية كانت إلى عهدٍ قريب حِكرًا على زنوج سان-دومينغ (St-domingue) أو اللويزيانا (Louisiane)؛ فصحف فرنسا، إذ تجد في ذلك مادةً سهلة، تحبُّ أن تستحضر إعلانَ حقوق الإنسان كلَّما نوقشت في مجلس النواب صلاحياتُ الإداريين الجزائريين؛ كما أنَّ إنشاء المحاكم الجنائية، وفحصَ عرائض الأهالي، مناسبتان ممتازتان أخريان لهذا النزوع إلى التعاطف؛ وإذا حدث، لحُسن الطالع، أن دُعيَت محكمة فرنسية للنظر في قضيةٍ مدوّية يجلس فيها المتَّهمون ببرانيسهم أمام أرديةِ القضاة، فسرعان ما يعمُّ حماسٌ عظيمٌ بين المراسلين؛ يتعلَّمون بسهولةٍ بضع كلماتٍ بربرية، ويُعجَبون بالأسرة القبائلية، ويحبِّذون أن يُقابلوا بين العربي المسكين والمُستوطِن السيّئ. لذا فإنَّ السيّاح ينزلون إلى الجزائر وقد سبقتهم استعداداتٌ حسنة؛ فكيف لا يحبُّون، بابتسامة الإنسان المتحضِّر المتساهلة أمام عرقٍ أدنى، ذلك "يَا وْلَدْ" (ya ouled) الذي يُلمِّع أحذيتهم باحترام، أو الذي يقودهم عبر أزقّةٍ عجيبة ضيّقة موحية نحو رغباتهم في الغرابة الخالصة! وعند عودتهم، تُصبح رقّةُ العربي ولُطفُه، وجلالُ منظره، موضوعَ حديثٍ سهل. أوَليس جوان [Joanne] وكونتي [Conty] يتحدَّثان عنه بأحسن العبارات؟

أمّا أسلافُنا فلم يكونوا على هذا الشعور قطُّ؛ فإذ كان سنقصهم فتح الجزائر أو حتى إلى إمكان زيارة الجزائرِ العاصمة بيُسر، كانت تُخالِج أذهانَهم صورةٌ بغيضة عن العربي. ففي القرن الثامن عشر: "كان اسمُ العرب يجرح الآذان... وقد تكوَّنت عنهم أفكارٌ مُذِمَّة"؛ فهم أناسٌ "غيرُ مهذَّبين، أفظاظ" وحشيّون، ظالمون، عنيفون، بلا وفاء، بلا مشاعر" ([2])؛ أمّا الكتّاب القلائل الذين أبدَوا لهم شيئًا من حُسن النية، فكانوا يبدأون بمناشدة الجمهور أن يتخلَّى عن تصوُّرِه المألوف للمسلم: فقد كان ثمَّةَ تحاملٌ عنيدٌ بيِّنٌ إذن.

فأتباعُ الله، أنصارُ محمد، كانوا في الحقيقة معرفةً قديمة جدًّا، ومنذ العصور الوسطى تراكمَت ضدَّهم ثروةٌ كاملة من الأحقاد. فمنذ أن استولى هؤلاء المارقون، الخارجون من صحراء العرب، على القدس واحتلّوا الأرض المقدَّسة، انصرف فكرُ أوروبا مأخوذًا نحو رؤية الهلال ذاك الذي كان الكفّار يرفعونه فوق الصليب؛ وكانت كراهيةُ المسلم، ورغبةُ طرده، بمثابة استفزازٍ تقليديٍّ انبثقَت منه حركةُ الحروب الصليبية.

لم يكن ممكنًا أن يُنظَر بشيءٍ من الودّ إلى هذا العدوّ الأزلي، ذلك البلاء الذي أرسله الله ليعاقب النصارى على تراخيهم الدّيني، الرّهيب إلى حدِّ أنَّه اقتضى محاربتَه في قلب فرنسا، قربَ بواتييه. وإذ لم يكن ممكنًا الانتصارُ عليه انتصارًا تامًّا، تعزَّى الناسُ بإضافة الاحتقار إلى الكراهية التي كانوا يُكِنّونها له. فصُوِّرَت الإسلامُ على أنَّه مجموعةٌ من الخرافات البغيضة؛ وأنَّ الوثنيِّين الذين يتديَّنون به يلتزمون بذلك بارتكاب كلِّ ضروب الفجور والإتيان بكلِّ ضروب البهتان! ولو أنَّ أحدًا جالَ بعربيٍّ في باريس القرن الثالث عشر، لتخيَّلتُ أنَّ الناسَ الطيّبين كانوا سيبدأون برسم إشارة الصليب فزعًا؛ ثم تتحسَّن ملامحُهم عند فكرة أنَّ عقابًا فوريًّا سيُطهِّر شوارعَهم من هذا الشبح شبه الشيطاني. وكلَّما تقدَّم المسلم في فتوحاته، ازدادت الكراهيةُ نموًّا؛ وحين استولى على القسطنطينية، خالَط تلك الكراهيةَ التقيَّةَ شعورٌ من الخوف.

ودام ذلك؛ فقد كان الناس بالكاد يميِّزون العربيَّ من التركي، وأكثرُ من فرنسيٍّ صدَّق بحسن نيّة أنَّ معبد مكّة يقوم قريبًا من سراي القسطنطينية، مثلما تقوم السانت شابيل (Sainte chapelle) قريبًا من اللوفر  (Louvre). ونتيجةً لذلك، فإنَّ الصراع الكبير الذي وجب خوضُه حتى نهاية القرن الثامن عشر، لا لطرد التركي من أوروبا، بل لمنعه من أن يُصبح سيّدها، لم يسمح بأن تتحسَّن المشاعرُ تجاه العرب. فهذا الخلطُ الغريزي، وهذا الخوف، وهذه العداوة، تغلغلَت عميقًا في التقاليد الفرنسية؛ ولم يستطع تارتاران دو تاراسكون (Tartarin De Tarascon) أن يتحاشى الخضوعَ لها حين حمَلته السفينةُ إلى مرسى الجزائر؛ فقد رأى حمّالي القبائل المُجامِلين يقتربون، وفي التفاتةٍ فجائية إلى ذكريات الأجداد، لم يفكِّر إلّا في أن يتسلَّح بكلِّ بنادقه ليصدَّ غزوًا جديدًا من الـ "أتراك".

وهذه الأحكامُ المسبقة الثابتة لم تكن مجرَّد أحقادٍ فرنسية وحسب؛ فالعربُ أنفسُهم لم يُبدوا كبيرَ اهتمامٍ  بتعديل الرأي المؤسف الذي كوَّنه العالمُ المسيحي عنهم. فقد كانوا جميعًا، من حلب إلى طنجة، قراصنةً بارعين، وكان الناسُ يعلمون، حين يُغادرون تولون (Toulon) أو مرسيليا (Marseille) طلبًا للتجارة أو رغبةً تقيّةً في زيارة القدس، مدى خطورة لقاء القراصنة البربريّين. فالسيّاح الوحيدون الذين كانوا يعودون آنذاك من الجزائر هم أولئك التعساءُ الذين يُفتَدَون من الأسر المغربي أو الذين استطاعوا الفرار؛ فلا بدَّ أن تكون دراساتهم لأخلاق البلاد، وأوصافُهم للجزائر وتونس، مؤلمةً ومثيرةً للانطباع دون كثيرٍ من الحماس الغرائبي .([3]) وكان معروفًا أيضًا أنَّ العرب لم يكتفوا بهذه المكاسب البحرية، وأنَّهم أحيانًا، تحت اسم البدو، كانوا بارعين جدًّا في نهب القوافل، متى كان التجّار خائفين أو غير مستعدّين جيّدًا للدفاع عن أنفسهم؛ فسرعان ما كانت الطرود تُفتَح وتُنهَب، وعطورُ العرب وقهوةُ موكا (Moka) تعود أدراجَها إلى تلك الصحراء التي كانت سياسةٌ حمائيةٌ شديدةُ الضيق تريد منعَها من الخروج منها.

فرجالُ هذه البلاد كانوا بلا شكٍّ أمّةَ نهّابين، وكانوا يتصرَّفون بقلَّة احترامٍ شديدةٍ تجاه أوروبا؛ وطلقاتُ المدافع القليلة التي أطلقتها سفنُ لويس الرابع عشر (Louis XIV) على جيجلّي (Djijelli) ظلَّت حادثة هادئةً جدًّا، واضطُرَّ الناسُ إلى الاكتفاء، كانتقامٍ رئيسي، بأن يُظهِروهم، في هيئة لصوص، قراصنةً بربريّين في نهاية الملهيّات الغرامية ([4])؛ فـ"سفينتُهم اللعينة" أصبحَت، بفضل سكابان (Scapin)، فزّاعةً ممتازة لابتزاز المال. وكان لدى الناس أيضًا وسيلةٌ أخرى، ربما أكثر عزاءً، وهي أن يُدرِجوا كلمة عربي (arabe) في قاموس الشتائم؛ فترك، مرابٍ، يهودي، عربي، كلُّ ذلك أصبح مترادفًا. "ثمَّةَ هنا صرّافٌ... إنَّه أكبر عربيٍّ في العالم"، كما يُثبِت تاليمان دي ريو (Tallemant des Réaux) " ([5]) أيُّ يهوديٍّ! أيُّ عربيٍّ هذا!" يصيح شخصيةٌ من شخصيات موليير (Molière) ([6])  أمام مطالب مرابيه الفاضحة.

ويُفهَم بعد هذا أنَّ اسم "عربي" كان له وقعٌ كريه؛ ومن الطبيعي أن كتَّاب الملهيّات والروائيّين في القرن السابع عشر لم يستثمروه.

 

II

 

ومع ذلك، فقد جال رحّالةٌ فرنسيّون كثيرًا عبر البلدان الإسلامية؛ لكنَّهم توجَّهوا خصوصًا نحو القسطنطينية (Constantinople) وآسيا الصغرى، مسكونين برؤية الباب العالي (Sublime Porte) أو بذكريات الأماكن المقدَّسة؛ وقادتهم التجارةُ أيضًا إلى المرافئ المتعاقبة في المشرق  (échelles du Levant)، وكانت إقاماتُهم فيها تدوم أحيانًا سنواتٍ كاملة. لكنَّ السكّان العرب بمعناهم الخاص ظلّوا زمنًا طويلًا، بفضل سُمعتهم، محميّين من فضول الأوروبيّين: فقد كان معروفًا من الجغرافيّين القدماء أنَّه على طول جانبي مصر، في بلاد العرب وفي طرابلس الغرب  (Tripolitaine)، كان قفارُ الصحراء المتواصل يمتدّ. "إنَّه بلدٌ رهيبٌ بصحاريه الشاسعة، غير مأهولٍ وغير قابلٍ للسكنى بسبب الرمل العميق الذي يغطّيه وقلَّة المياه التي تُصادَف عمومًا في هذا الامتداد، حتى إنَّ بئرًا واحدةً تُعَدُّ فيه الثروةَ الأساسية لناحيةٍ مساحتُها خمسةَ عشرَ فرسخًا في المحيط" ([7]).  وما كان صحيحًا خصوصًا في جزءٍ من شبه الجزيرة العربية أصبح في نظر العامّة، الصورةَ المشتركة لجميع البلدان التي يسكنها العربي؛ ولم يكن فيها بالطبع ذلك المشهدُ الفارهُ الذي يحبُّ المسافرُ عادةً أن يجده في البلدان الغريبة. لذا فحتى نهاية القرن الثامن عشر، وحتى استكشافات نيبور (Niebuhr) ([8])، لم تُزَر هذه المنطقةُ حقًّا قطُّ. وفضلًا عن ذلك، يبدو أنَّ العرب كانوا يريدون إبعاد كلِّ نصرانيٍّ عن جوار مدينتهم المقدَّسة، ولم يكن لقراصنة تونس أو الجزائر من صيتٍ في الضيافة يكفي لأن يشعر المرء بالرغبة في زيارتهم.

لذا لم يكن عن طريق روايات الرحلات، كما قد يبدو طبيعيًّا، أن بدأ الفرنسيّون يتصوَّرون بطريقةٍ أقلَّ غموضًا نموذجَ العربي. فمصادرُ معرفتهم كانت في البداية مصادرَ كتابيّةً (Livresque) محضة. فقد انكبَّ المستشرقون العلماء في القرن السابع عشر على دراسةٍ خاصة للغة العربية، وسرعان ما استطاع الجمهور، بفضلهم، أن يقرأ، في ترجماتٍ وافية، الكتبَ المقدَّسة للمحمّديّين ومجاميعَ حكاياتهم. ومهما كانت ترجمةُ القرآن التي قدَّمها دو رييه (Du Ryer) (1647) معيبة، ومهما كانت كتبُ اللاهوتيّين في ذلك العصر عن محمد جزئيّةً، فقد تحقَّقت على الأقلِّ نتيجةٌ اكتُسِبَت في وقتٍ مبكِّرٍ نوعًا ما ([9])؛ فمعرفةُ الخرافات والعقائد الإسلامية، بل معرفةُ تفاصيل الدّين الإسلامي نفسه، انتشرَت بما يكفي لأن يتحدَّد بها التصوُّرُ العامُّ للعربي. فما كان بالإمكان تخيُّلُ بدويٍّ من الصحراء أو باشا من طرابلس (Tripoli) دون أن تتراءى للذهن فورًا سجداتُه التقيّة وابتهالاتُه إلى الله؛ فالبرنس، والعمامة، ومحمد، تلك صورٌ ثلاثٌ أصبحَت منذ ذلك الحين لا تُذكَر إحداها إلّا واستُحضِرَت الأخريات معها.

سرعان ما جاءت ترجماتٌ أكثرُ تسليةً لتُثري التقليدَ الشعبيَّ أكثر فأكثر. ومعروفٌ النجاحُ الفائقُ الذي لَقِيَته، في السنوات الأولى من القرن الثامن عشر، ألفُ ليلةٍ وليلة (Les Mille et une Nuit)  لغالان (Galland) (1704) والأيّامُ الألف واليوم (Les Mille et un Jour)  لبوتي دو لا كروا  (Petis de la Croix) (1707)؛ وهذه الحكاياتُ كانت، بتفاصيلَ متعدِّدة، تُلقِّن دون شعورٍ "عادات الشرقيّين وأخلاقهم، وشعائر دينهم ... فجميعُ الشرقيّين، كما يقول غالان، يظهرون فيها كما هم، من السلطان إلى أشخاص أدنى الطبقات. وهكذا فدون أن يُعاني القارئُ عناءَ الذهاب للبحث عن هذه الشعوب في بلادها، سيكون له هنا متعةُ رؤيتهم يتصرَّفون وسماعهم يتكلَّمون" ([10]). والحقُّ أنَّ القارئ، وإن كان مطَّلعًا جيّدًا، لم يكن حسّاسًا بالدرجة الأولى للحقيقة التاريخية والواقعيّة هذه الحكايات: كما أنَّ الترجمة الفرنسية كانت قد خفَّفت منها كثيرًا؛ بل أحبَّ خيالَها الجامح، وظهورَ الجنّياتِ، والقصورَ العجيبة. لذا، وفي الوقت ذاته الذي كانت تتَّضح فيه، أحاطَت الصورةُ المألوفة عن العربي بإطارٍ كاملٍ من الرواية، والغرابة، واللاواقعية، ظلَّ من المتعذِّر زمنًا طويلًا فصلُها عنه.  وبعد بضع سنوات، ظهر كتابان لَقِيا استقبالًا حسنًا، فمنحا نهائيًّا نموذجَ العربي مكانًا في الأدب: هما نشرُ مذكِّرات دارفيو (Arvieux)([11])، والدراساتُ التاريخية للكونت دو بولانفيليّه (Boulainvilliers)([12]) . فكلاهما ادَّعى ردَّ الاعتبار إلى هذا العرق الذي طال افتراؤه عليه. فالشوفالييه دارفيو (d'Arvieux)، وهو مرسيليٌّ وتاجر، "المبعوث فوق العادة من الملك، قنصل حلب والجزائر وطرابلس ومرافئ الشرق الأخرى"، أقام طويلًا في مدن الساحل المتوسطي؛ بل ارتدى البرنس، وتعمَّم بالعمامة، وتوغَّل بعضَ الشيء في الداخل؛ وحيثما حلَّ لَقِيَ ضيافةً حَفِيّة، ولم يكن له في مذكِّراته هَمٌّ سوى الثناء على الأمراء أو الباشوات الذين كانوا مضيفيه. وعلى نحوٍ مماثل، فإنَّ الكونت دو بولانفيليّه  (Boulainvilliers) ، وإن لم يكن قد فكَّر قطُّ ولو للحظة في الإبحار نحو سواحل بلاد البربر، فقد أُعجِبَ من بعيد إعجابًا شديدًا بطبع العرب. والحقُّ أنَّه كان ممتنًّا لهم قبل كلِّ شيء لأنَّه كان لهم نبيٌّ هو محمد، الذي أتاح له أن يخوض، بإيحاءاتٍ خبيثة أو بمقارناتٍ مُزعجة، حربًا من مكائدَ ضدَّ المسيحية وروما (Rome).  وأيًّا يكن الأمر، فقد كان ذلك كلُّه نفعًا للعرب.

وهكذا تكوَّنَت شيئًا فشيئًا صورةٌ جديدة، ذاتُ ملامحَ بسيطة، بل كاريكاتوريّةٍ إلى حدٍّ ما، لكنَّها أقلُّ عداءً في مجموعها بكثيرٍ ممّا كانت عليه صورةُ التقليد القديم. وقد عبَّرَت هذه الصورةُ عن نفسها في كوميديا ذلك العصر وروايته؛ وبفضل نجاحها دامَت سليمةً تقريبًا حتى أيّامنا.

فأصبح العربيُّ منذ ذلك الحين يبدو رجلًا حسنَ القامة، مهيبًا جدًّا تحت ثيابه المُسدَلة على الطراز القديم؛ تُزيّنه لحيةٌ كثّة يُرسِل من خلالها يدَه عادةً؛ وهو "طبعًا، وقورٌ، جادٌّ، معتدلٌ في جميع تصرُّفاته... يتكلَّم قليلًا وأبدًا دون ضرورة"([13]) يستقبل ثرثرةَ نسائه باحتقارٍ صامت. وهو مع ذلك "ذكيٌّ، كريمٌ، غيرُ طامع، شجاعٌ"  ([14]) لا نزوةَ له ولا سوءَ مزاج؛ "فبساطةُ أخلاقه بعيدةٌ بالقدر نفسه عن الدناءة وعن الكبرياء" ([15]) وصحيحٌ أنَّ هذه الأمّة نهّابةٌ بعض الشيء، لكنَّ ذلك لا أهمّيةَ له؛ "فمع أنَّهم لصوصٌ محترفون، فإنَّهم لا يكفّون عن أن يكونوا أناسًا طيّبين" ([16])؛ ثمَّ إنَّهم يسلبون المسافرَ بأدبٍ جمّ!

وهذه الوقارُ في السلوك، وهذه الكرامةُ في الطبع، جديرتان بالاحترام حقًّا؛ لكن من السهل، بتغييرهما قليلًا، الحصولُ منهما على مؤثِّراتٍ مضحكة. فالتفاصيلُ لا تنقص، طريفةً وأحيانًا هزليّةً، في الأيّام الألف واليوم (Mille et un Jour)  أو في حكايات الشوفالييه دارفيو (Chevalier d'Arvieux): فمعروفٌ مثلًا أنَّ هذا الوقارَ كثيرًا ما يتعرَّض لعذاب مضايقاتٍ مزعجة لا مفرَّ منها ([17])؛ ومن هنا يسهل على من كان مِزاجُه هزليًّا أن يبتكر مواقفَ طريفة. وهي تُقدِّم نفسَها بنفسها تقريبًا؛ فالشعائرُ الدينية، ومراسمُ الصلوات، والوضوء، والاحترامُ التقيُّ للقرآن، وسلطةُ المرابطين والدراويش، وسذاجةُ العامّة الخرافية، كلُّ ذلك مادّةٌ لكوميديا ممتازة؛ فيُسخَر من محمد، ويُهزَأ بأتباعه، ويُتَسلَّى بحُجَّاج مكّة.

لكنَّ هذا لا يزال شيئًا يسيرًا، وبتناقضٍ عجيب، فإنَّ لهؤلاء الرجال الوقورين الكئيبين جانبًا من وجودهم سيتسلى خيالُ القرن الثامن عشر الماجن. فمثل الأتراك، لهم نساءٌ عديدات، ومثل الأتراك أيضًا، يُقال عنهم .

أنهم ذووا مزاج شديد الميل إلى الغرام: فقد كان محمد (Mahomet) مديناً لوفرة حريمه ولخصاله كزوج بشهرة خاصة استثنائية؛ وكان الناس يتساءلون بلذة: «كيف أمكن لرجل بهذا الجدّ، لرجل نبيّ... أن يكون في آن واحد بهذا القدر من الجموح والانصياع لملذّات لا تليق فيما يبدو إلا بأناس فارغين ([18])». وفي باب الحب العربي، جاءت روايات الرواة على قدر بالغ من الدقة؛ ثم إن كتاب ألف ليلة وليلة (Mille et une Nuit)، منذ صفحاته الأولى، كان يُطلع القارئ على الكثير من يسر الفضائل الموريسكية؛ ولم يدّخر داروفيو (d'Arvieux) وبولانفيلييه (Boulainvilliers) جهداً في المزايدة على ذلك أكثر فأكثر، وعلى إثرهما ظنّ الناس أنهم لم يعودوا يجهلون شيئاً من حياة الحريم المغلقة؛ فعُرفت متاعب تعدد الزوجات، والخصومات بين الضرائر، والغيرة الرهيبة من الزوج ومكايد النساء؛ وارتاح الناس إلى التأكيد بأنهنّ كنّ من الدهاء في الشرق بقدر ما هنّ في كل مكان آخر، وقبل كل شيء تخيّل الناس بطيب خاطر جنة محمد (Mahomet) البهيجة، بخلودها الذي تجعله محتملاً أكثر مداعبات الحور العين. كانت تلك أُحجية شهية لذيذة. وهكذا وجد نمط العربي نفسه، بكل طبيعية، نموذجاً كوميدياً؛ وقوراً وعاشقاً، خرافياً وكئيباً، ملتفّاً في بُرنُسه، ورأسه مثقل تحت العمامة، يُرى وسط عدد كبير من النساء اللواتي يحببنه أو يخُنّه، لكنهنّ دائماً في خصام.

III

إذا أراد الناس أن يتسلّوا بالعرب، فمن الطبيعي أن يبدؤوا بنبيّهم؛ وكان ممثلو الكوميديا الإيطالية (Comédie italienne)  هم أصحاب المبادرة في ذلك. أما لوساج (Lesage)، مؤلفهم المعتاد، فقد راجع وصاغ بأسلوب حسن ترجمة ألف يوم ويوم (Mille et un jour)  لبيتي دو لا كروا (Petis de la Croix)؛ وهذه الحكايات أقل خيالاً وأقل فيضاناً في التصوّر من ألف ليلة وليلة، لكنها تحمل في طيّاتها حسّاً طريفاً بالواقعية وقدراً كبيراً من الخبث؛ وقد لاحظ فيها صاحب جيل بلاس (Gil Blas) عدة حكايات ظنّها صالحة لأن تصير كوميديات مسلّية. وسرعان ما أصبح أرلوكان (Arlequin) - وكان ذلك أمراً يليق بتلوّن زيّه - ملكاً على سرنديب (Sérendib) ووزيراً أعظم؛ فذهب يلعب بعض الحيل الطريفة على ملك الصين، ثم، عائداً نحو آسيا غير بعيدة، تزيّا بزي العربي وقرّر يوماً أن يسمّي نفسه محمداً. ومُثّلت مسرحية أرلوكان محمد (Arlequin Mahomet)  في موسم 1714 في معرض القديس لوران (foire St-Laurent). وإذ يطارده دائنوه، يشتري أرلوكان من العالِم بوبكر (Boubékir) صندوقاً طائراً: فيختفي على الفور في الهواء، ويهبط في البصرة. وهناك يَعِد بدعمه أميرُ فارس الذي يحبّ، دون أن تعرفه، ابنة ملك البصرة. وبمهارة يتقمّص أرلوكان شخصية محمد (Mahomet)، وهذا ما يمنح الكثير من الوقار لدوره الملتبس كوسيط؛ فهو يحمل إلى الأميرة، عبر النافذة، صورة للأمير، ويُطلع الأب المتمنّع على إرادته النبوية؛ وعندئذ يكفيه أن يظهر بين السماء والأرض في صندوقه، وسط ضجيج كبير من المفرقعات ووابل من الحجارة: فيسجد المحمديون ووجوههم إلى الأرض، ويمنح الملك موافقته! وبعد ذلك يعود محمد إلى هيئة أرلوكان (Arlequin)، لكن، حفاظاً على ذكرى قداسته العابرة، يرفع وصيفة لطيفة لاحظها إلى مرتبة ودور الحوريّة: وهذه طريقته الخاصة لدخول الفردوس.

أما الراوي العربي ([19]) فقد كان أكثر احتراماً؛ وإذ رضي أن يتقمّص محتال صورة محمد (Mahomet)، فقد حرص على أن يعمل النبي الزائف لحسابه الخاص: فهو يتزوج الأميرة بنفسه ويحصل من والدها على مهر ثري. أما أرلوكان فلم يكن بوسعه أن يطمح إلى مثل هذا الشرف: مهما كان تنكّره، فدوره المعتاد كان تجنّب ضربات العصا ومداعبة الخادمات؛ تاركاً لسيّده، باحترام، الأرباح الأجزل.

وها نحن إذن على طريق مكة (la Mecque) والمدينة (Médine)،

حيث يذهب المسلمون الأوفياء

بحماسة تقيّة

 لزيارة رفاتك (رفات محمد) الطاهرة ([20]).

ومسرحية حجّاج مكة (Pèlerins de la Mecque) ([21]) (1726) هي التي قادت الجمهور الفرنسي إلى هناك: فكان ذلك في الشرق أمراً هزلياً تماماً. فالأميرة رزيّة (Rezia) التي أُريد تزويجها رغماً عنها تظاهرت بالموت؛ والأمير علي (Ali) الذي كان يحبها وتحبّه هرب يائساً. ويجدها في القاهرة جارية مفضّلة عند السلطان؛ فيهربان معاً، متنكّرين في زي حجّاج مكة. ويلاحقهما السلطان ويفاجئهما في خان للمسافرين؛ لكنه، لكونه طيب الطبع، لا روح فيه مغرقة في الفظاظة التركية، فيصفح بتلك اللامبالاة الأنيقة التي يتحلّى بها زوج من القرن الثامن عشر. وفي هذه الأثناء يكون أرلوكان، سعيداً بعودته إلى دوره كخادم، قد تلقّى بجدّية مبادئ حياة "القلندرية" (calenders)؛ «وهي، كما يُقال لنا، طائفة من الفلاسفة المسلمين الذين، تحت قناع الصرامة الرواقية، يتبعون مبادئ الأبيقوريين المتحلّلة». وهذا أمر يوافق هوى أرلوكان تماماً، فضلاً عن أن هذه المهنة ليست بالعسيرة؛ إذ يكفي أن يدور المرء حول نفسه، مثل فقراء الهند (fakirs) في طلب الصدقة، وفي مغازلة الفتيات الجميلات (فثمة منهنّ في القافلة، وأرلوكان (Arlequin) نفسه، متنكّراً في زي حاجّة، يُجرّب فضيلة زملائه القلندريين الهشّة). ويتكلم أرلوكان التركية على طريقة موليير (Molière)، ويردّ عليه العرب بأفصح رطانة. عندئذ نُدرك أن رحلة مكة  (la Mecque)  قد تكون أمراً مسلّياً تماماً، وأن السلطان يتنازل عن إفساد هذه المهزلة بلفتة سوء مزاج زوجي. وكان هذا المشهد في حدّ ذاته من الهزل الكرنفالي بحيث لم يتردد طلاب أكاديمية فرنسا في روما (Académie de France à Rome)  في تمثيله، في أحد أيام ثلاثاء (Mardi-Gras)؛ ففي عام 1748 طافوا في شوارع إيطاليا بمسرحية قافلة سلطان مكة (la Caravane du sultan de la Mecque)  ومهزلتها المضحكة ([22]).

وكان الدين المحمدي يتيح لنفسه، في هذا الشرق الهزلي، تنكّرات ملتبسة؛ فمحمد (Mahomet) كان متعاطفاً مع العشّاق، والقلندريون (calenders) كانوا أميل إلى التساهل، والدراويش (dervis) لم يكن بوسعهم أن يكونوا أقل من نبيّهم أو من إخوانهم؛ فاستُغلّت مساعيهم الحميدة لخداع الأزواج الأتراك. فزندور (Zindor)، في مسرحية الدرويش الزائف (Le Faux Dervis)  لبوانسينيه (Poinsinet) (1757)، يحب فاطمة (Fatime)، جارية الشيخ حالي (Hali) العجوز؛ وهذا الأخير، بوصفه محمدياً صالحاً، غيور لكنه خرافي. يتنكّر زندور بزي درويش؛ وبسذاجة يُقنِع حالي بأنه هو نفسه محبوب محمد  (Mahomet)، وأن النبي سيعيّنه أميراً (من نسل محمد)، فتحيط جواري متزيّنات بزي حوريات بالأمير الجديد، ويُسمعنه جوقة "العذارى السماويات" ويشغلنه بينما يتحدث الدرويش الزائف عن الحب مع فاطمة. لكن لا بد من التخلص من حالي كلياً؛ فيُقنَع بأن السلطان، غيوراً من منزلته الجديدة، يريد خنقه؛ ولن يفلت إلا بالتنازل عن فاطمة. فيتزوجها زندور.

وكان طريفاً بما فيه الكفاية أن يخدع العرب بعضهم بعضاً، باسم محمد  (Mahomet)، لكن كبرياء الفرنسيين لا شك أنه كان سيرتاح لو كان المستفيد من هذه المكايد نصف الدينية ونصف الغرامية، أحياناً، ابن بلدهم؛ أفلا يكون ذلك، في نهاية المطاف، وسيلة للتغلّب على الكافر! وقد منحت رواية رديئة بعنوان ابن عمّ محمد. قصة أكثر من غرامية (Le cousin de Mahomet... Histoire plus que galante (1762)  هذه المتعة للجمهور فبطلها، المرسيلي إلى حدّ ما، يروي فيها مغامراته الغرامية في حريم الشرق السهلة المنال، والأخطار من كل نوع التي واجهها؛ وقد بدا مسلماً صالحاً إلى درجة أنهم أرادوا تحويله إلى الإسلام حسب طقوس البلاد؛ لكنه اكتفى بالدخول في نسب محمد (Mahomet): فبدا له مجيداً أن يكون عشيقاً لابنة شريف، وبذلك يصير هو نفسه شريفاً بعض الشيء؛ فيغدو النبي ابن عمّه.

لكن كان بوسع المرء أن يفكّر بأن كل هذه الانتصارات الغرامية كانت سهلة أكثر مما ينبغي، إذ كانت تُكسَب بمعونة الدين المحمدي أو بفضل هيبة الاسم الفرنسي. وكان سيكون أمراً بديعاً تماماً لو استطاع المرء أن يخدع زوجاً عربياً أو تركياً، بموافقة هذا الزوج نفسه، بل بمساعدته! أما التشريع الإسلامي، فإن صدّقنا الرواة، كان في باب الطلاق على قدر من الطرافة الهزلية العجيبة: فلوساج  (Lesage)، هنا أيضاً، لم يكن عليه إلا أن يستوحي من ألف يوم ويوم، وأن يُبالغ في رسم سمة واقعية من العادات. ففي مسرحية أرلوكان الحُلّي (Arlequin Hulla) (1716)، طاهر (Taher)، بعد أن طلّق زوجته دردانة  (Dardané)، يريد أن يستردّها. وحسب الشريعة المحمدية يجب أن يتزوجها رجل آخر قبل ذلك: وهذا الزوج الوسيط المؤقت هو "الحُلّي" (Hulla)،

صديق طيّب يتزوّج المرأة

متطوّعاً بكل رضا،

 يقضي الليلة مع السيدة،

ثم يردّها إليه بأمانة.

فيوافق أرلوكان مقابل مئة دينار ذهبي على أن يقوم بدور الحُلّي؛ ويقوم إمام، بأسلوب الوسيط اللائق بمهمته، بتزويج أرلوكان ودردانة: على أن يقع الطلاق في اليوم التالي. لكن دردانة، وطاهر خصوصاً، لا يلبثان أن يستشعرا قلقاً مزعجاً؛ فمع حلول المساء، يُبدي أرلوكان، وهو شديد الإقدام، عزمه على أن يكون حُلّياً بالفعل؛ ويؤكد له الإمام أن له الحق في ذلك. ويحاولون عبثاً إبعاده عن مقصورة النساء، ولأجل ذلك يُسكرونه: فيبقى هو غير مبالٍ، يشرب الخمر، ثم يدخل على دردانة؛ ولا سبيل إلى ثنيه عن دوره كحُلّي إلا بترويعه بظهور مأمور مزيّف؛ فيطلّق دردانة على الفور، ويستطيع طاهر أخيراً، وقد تحرّر من قلقه الهزلي، أن يمسح جبينه براحته.

وسرعان ما بدت هذه الخاتمة زواجية أكثر مما ينبغي، فسُمح لمسرحية جديدة، قُدّمت تحت العنوان نفسه سنة 1728 ([23])، لأرلوكان أن يتخلّى عن شخصية الحُلّي، ليصبح، بموافقة القاضي، زوجاً حقيقياً ونهائياً.

وحقّاً، إن صدّقنا كتّاب الكوميديا الإيطالية (Comédie italienne)، لم يكن من الطيّب أن يكون المرء زوجاً في بلاد العرب: فربما لم يكن عدد أشباه سغاناريل (Sganarelle) وداندان (Dandin) أكبر منه في فرنسا، لكن كان في المرء عزاء أن يفكّر بأن تعدد الزوجات جعل، بفضله، شقاء الأزواج في الشرق يتضاعف بطريقة مسلّية، في كل بيت. وعلى كل حال، مَلّ الناس أخيراً من دوام السخرية من العربي؛ أو على الأقل بدأوا يخفّفون قليلاً من حدّة الهجاء. فباليسو (Palissot) في مسرحية حلّاق بغداد (Le Barbier de Bagdad) ([24]) (نحو 1755) اكتفى بالتسلية، استناداً إلى حكاية من ألف ليلة وليلة، في السخرية من ثرثرة وحماسة سيئة الحظ لحلاق عربي، يوقع أصدقاءه، بنيّته الطيبة في خدمتهم، في أحرج المواقف. لم يكن ذلك أمراً مؤذياً كثيراً، وعلى كل حال، لم تكن السمة تحمل شيئاً غريباً بوجه خاص. وفي الوقت نفسه، شرع مؤلف آخر في ردّ الاعتبار لهذه الشخصية التي لطالما سُخر منها: ففي مسرحية المسلم (Le Musulman)  لفاغان  (Fagan) ([25]) (1762)، ظهر العربي على الخشبة دون أن يُبالَغ في السخرية منه؛ بل حظي بشرف عظيم، إذ جرى تجنيسه فرنسياً وتزويجه بباريسية! فحالي (Haly) يقيم في باريس، مع خادمه زاغوت  (Zagut)؛ وكلاهما يرتديان الزي الأوروبي ويحرصان أشد الحرص على إخفاء جنسيتهما؛ ومنذ سنتين يتودد حالي إلى إميلي  (Émilie)، لكنه، في كل مرة يوشك فيها على الزواج بها، يعوقه ورعه وتحيّزات بلاده؛ ومن هنا تنشأ الخصومات ومشاهد الغيرة. وفي النهاية، يُكشف أنه تركي، لكن من دم فرنسي؛ فتستطيع إميلي حينئذ أن توافق دون خجل كبير على هذا الزواج نصف العربي؛ ويختتم أحد الخاطبين المرفوضين بحزن قائلاً: (أتتزوجين تركياً، يا سيدتي؟ كم أُشفق عليك!).

لم تكن الصورة بعد محببة كثيراً، وظلّ الأمر زمناً طويلاً على هذا الحال، إذ لم يكن بالإمكان، في الأعمال الأدبية، تصوير العربي إلا بهذه السمات الهزلية الفجّة نوعاً ما. وعلى كل حال، بعد هذا النجاح العابر، طُوي الأمر سريعاً في طيّ النسيان؛ ففي النصف الثاني من القرن الثامن عشر، اتجهت رغبة الجمهور إلى مشارقة آخرين غيره، إلى الصينيين والهنود. وكان فولتير (Voltaire) ([26]) يرى أن هناك الكثير مما ينبغي عمله لجعل سواحل تونس والجزائر جديرة ببلاد كونفوشيوس. ومن جديد انزوت بلاد العرب خلف صحاريها، منتظرة الثارات التي كان سيحفظها لها القرن التاسع عشر؛ فالحملة على مصر، وشهرة محمد علي  (Mehémet-Ali)، وفتح الجزائر أخيراً، كانت ستضمن لها رواجاً دائماً. وبدلاً من المسلم، المثير للسخرية والمخدوع، الذي عرفه القرن الثامن عشر، لم يتأخر الرسّامون والروائيون، أمثال فرومنتان (Fromentin) ، في رسم الصورة المهيبة للعربي، ملتفّاً في بُرنُسه، يدخّن ويتأمل، أو يجول على صهوة جواد مطهّم بالذهب في وهج الغبار المبهر فانتازيا.

بيير مارتينو

 (Pierre Martino)

أستاذ مجاز في الآداب،

 أستاذ في ثانوية الجزائر.


 

دراسة نقدية مختصرة لمضامين المقال المترجم

مدعّمة بمصادر خارجية مثبتة.

أ.د. حبيب ونسي.

ملاحظة:

قمت باستخلاص أهم الأفكار التي قام على المقال الأصل في موضوع صورة العربي في المسرح الغربي والكوميديا الإيطالية، حتى يتبين القارئ مقدار حجم التشويه الذي ألحقه المخيال الغربي لصورة العربي المسلم، ومن ورائه صورة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وصورة الأمير عبد القادر. وإنني من خلال هذه الترجمة وما يشفعها من تحليل مختصر أسعى إلى تعرية مرتكزات الغرب وتصوراته في رسم صورة الآخر وعلى رأسها العربي المسلم، منتهكا كل الأعراف العلمية والثقافية والجنسية والتاريخية. والغرب في فعلته هذه من خلال مثقفيه كتابا ومفكرين يكشف عن تكوين هش، وأخلاق ساقطة، وعدم اعتبار للإنسان مهما كان لونه أو لغته. المهم أن يجد الغربي ما يبرر به بشاعة استعماره، واستحواذه على الآخر استحواذ استعباد وتسخير ومقت كبير.

الدراسة.

 01-تقديم:

يتناول هذا المقال التاريخي الذي كتبه الأكاديمي بيير مارتينو تطور صورة العربي في المتخيل الفرنسي خلال القرن الثامن عشر. يستعرض النص التحول من النظرة العدائية التي ميزت العصور الوسطى إلى تشكل نموذج أدبي جديد يجمع بين الهيبة والوقار وبين سمات كوميدية هزيلة في الروايات والمسرحيات. ويوضح الكاتب كيف ساهمت الترجمات المبكرة للقرآن الكريم وحكايات ألف ليلة وليلة، بالإضافة إلى مذكرات الرحالة، في صياغة هذه الهوية الدرامية المشوهة. كما يسلط الضوء على استغلال الكتاب الفرنسيين للشخصية العربية لتمرير نقد اجتماعي أو ديني من خلال مواقف غرامية وفكاهية مبتذلة. وينتهي المقال بالإشارة إلى أن هذه الصور النمطية الساخرة لم تتغير إلا مع الحملة الفرنسية على مصر وبداية احتلال الجزائر، حيث ظهرت الصورة "الاستشراقية" المهيبة التي نعرفها اليوم.

02-دور ألف ليلة وليلة في تشكيل خيال الفرنسيين عن الشرق:

                لعبت ألف ليلة وليلة، ولا سيما ترجمة "غالان" (Galland) التي ظهرت في عام 1704، دوراً حاسماً في تحويل وتشكيل خيال الفرنسيين تجاه الشرق والعرب خلال القرن الثامن عشر، ويمكن تفصيل هذا الدور من خلال النقاط التالية المستمدة من المصادر:

أ‌.        الانتقال من مصادر المعرفة "الكتابية" إلى "المسلية"

قبل انتشار هذه الحكايات، كانت معرفة الفرنسيين بالعرب تعتمد على مصادر كتابية محضة ودراسات علمية جافة للغة العربية والقرآن، مما رسم صورة ذهنية مرتبطة بالدين فقط (البرنس، العمامة، ومحمد). ومع ظهور "ألف ليلة وليلة"، دخل عنصر التسلية والتشويق، مما أثرى التقليد الشعبي الفرنسي وجعل صورة العربي أكثر حيوية وتفصيلاً.

ب‌.    تقديم صورة شاملة عن المجتمع الشرقي

اعتبر "غالان" أن هذه الحكايات تُلقن القارئ، دون أن يشعر، عادات الشرقيين وأخلاقهم وشعائر دينهم. وقد سمحت هذه القصص للفرنسي برؤية الشرقيين بجميع طبقاتهم، من السلطان إلى أدنى الطبقات، وهم يتصرفون ويتكلمون في بيئتهم الطبيعية، مما وفر متعة استكشاف هذه الشعوب دون عناء السفر.

ت‌.    ترسيخ إطار من "اللاواقعية والغرابة"

رغم أن الحكايات كانت تهدف لتقديم "حقيقة" اجتماعية، إلا أن القارئ الفرنسي لم يكن حساساً للواقع التاريخي بقدر افتتانه بـ:

  • الخيال الجامح وظهور الجنيات.
  • القصور العجيبة والمناظر الغريبة.
  • هذا أدى إلى إحاطة صورة العربي بإطار كامل من الرواية، والغرابة، واللاواقعية، وهو إطار ظل من المتعذر فصله عن الشخصية العربية لفترة طويلة في الذهن الفرنسي.

ث‌.    تشكيل ملامح "الشرق الغرامي" والحريم:

ساهمت "ألف ليلة وليلة" في إطلاع القارئ على ما كان يُعتقد أنه "يسر الفضائل الموريسكية"، وفتحت باب الخيال أمام حياة الحريم المغلقة. ومن خلالها، تخيل الفرنسيون:

  • متاعب تعدد الزوجات والخصومات بين الضرائر.
  • الغيرة الرهيبة من الزوج ومكايد النساء اللواتي وُصفن بالدهاء.
  • صورة العربي كشخصية وقورة وعاشقة في آن واحد، تعيش وسط صراع النساء.

ج‌.     إلهام المسرح والكوميديا الفرنسية

كانت "ألف ليلة وليلة" (ومعها "الأيام الألف واليوم) مصدراً غنياً للمسرحيين الفرنسيين:

  • استوحى منها كتاب مثل "لوساج" و"باليسو" لابتكار مواقف كوميدية؛ فمسرحية "حلاق بغداد" لباليسو (1755) استندت مباشرة إلى حكاية من ألف ليلة وليلة للسخرية من ثرثرة وحماسة حلاق عربي.
  • حولت هذه الحكايات الشرق إلى مسرح للتنكّر والمكائد الغرامية، حيث يُستخدم الدين أو الشخصيات النبوية الزائفة (مثل أرلوكان في زي محمد) لتحقيق مآرب عاطفية أو مادية،.

لم تكن "ألف ليلة وليلة" مجرد كتاب حكايات، بل كانت العدسة التي أبصر من خلالها الفرنسيون شرقاً ساحراً، متناقضاً بين الوقار والشهوانية، وبين الواقعية الاجتماعية والخيال السّحري، وهو ما مهد الطريق لظهور "الموضة العربية" والنزوع نحو الغرائبية في القرون اللاحقة.

03-سياقات تشكل صورة العربي/المسلم/ محمد:

تراكمت عبر القرون في المخيال الفرنسي والأوروبي ثروة كاملة من الأحقاد والعداء تجاه العربي، والمسلم، وشخصية النبي محمد، حيث تشكلت هذه الصورة عبر مراحل تاريخية بدأت بالكراهية الدّينية الصّرفة، وصولاً إلى الاستعلاء الاستعماري، ويمكن تفصيل هذا العداء التاريخي بناءً على المصادر فيما يلي:

1.     الجذور في العصور الوسطى: العداء الدّيني الصّرف:

يُعد العربي والمسلم بالنسبة للفرنسيين "معرفة قديمة جداً"، لكنّها معرفة تأسست على الأحقاد منذ العصور الوسطى.

  • الإسلام كخرافة: نُظر إلى الإسلام في تلك الفترة كـ "مجموعة من الخرافات البغيضة"، واعتُقد أن المعتنقين له يلتزمون بارتكاب الفجور والبهتان.
  • صورة "المارقين": منذ استيلاء المسلمين على القدس، انصرف فكر أوروبا نحو رؤية الهلال الذي يرتفع فوق الصليب، واعتُبر المسلم "عدواً أزلياً" وبلاءً أرسله الله لمعاقبة النّصارى.
  • الشبح الشيطاني: كانت صورة العربي في باريس القرن الثالث عشر ترتبط بـ "الشّبح شبه الشّيطاني" الذي يثير الفزع، وكان النّاس يرسمون إشارة الصليب عند رؤية العربي في شوارعهم.
  • الخلط بين الهويات: ظل الفرنسيون لفترة طويلة لا يميزون بين العربي والتركي، واعتبروهما عدواً واحداً يهدد أوروبا.

2.     القرن السابع عشر: العربي كمرادف للشّتيمة:

في هذه المرحلة، انتقل العداء من الإطار الدّيني الحربي إلى الإطار الاجتماعي واللّغوي، حيث تحول اسم "عربي" إلى لفظٍ مهين.

  • قاموس الشّتائم: أصبحت كلمة "عربي" تُدرج في القاموس الفرنسي كمرادف لـ "المرابي، أو اليهودي، أو الشّخص الجشع".
  • الوقع الكريه للاسم: كان اسم العربي "يجرح الآذان" في القرن السابع عشر والثامن عشر، واقترن بصفات مثل "الوحشية، الظلم، الغدر، وفقدان المشاعر.
  • القرصنة والنّهب: ترسخت صورة العرب كـ "أمّة نهّابين وقراصنة" يهددون التّجارة في البحر المتوسط، مما عزّز الشّعور بالعداء والاحتقار تجاههم .

ح‌.     القرن الثامن عشر: من الفزع إلى السّخرية من "محمد" والمقدّسات:

شهد القرن الثامن عشر تحولاً في العداء؛ فلم يعد العربي يثير الخوف الوجودي بقدر ما أصبح مادة للسّخرية والكوميديا، مع الترّكيز على شخصية النّبي محمد.

  • تفكيك الهيبة بالنّكتة: اعتبر المسرحيون الفرنسيون (مثل لوساج) أنّ أفضل وسيلة للتّسلية هي البدء بالسّخرية من نَبِي المسلمين.
  • مسرحية "أرلوكان محمد": في عام 1714، قُدمت مسرحية تظهر شخصية "أرلوكان" وهو يتنكر بزي النّبي محمد لتحقيق مكائد غرامية وابتزاز المال، مما يعكس استباحة المقدسات الإسلامية لأغراض كوميدية.
  • التركيز على "الجموح الشّهواني": حاول الخيال الفرنسي الماجن في هذا القرن تشويه صورة النّبي محمد عبر تصويره كشخصية تنقاد للملذّات والشّهوات بسبب تعدّد الزّوجات والحريم، متسائلين كيف لنبي أن يجمع بين الوقار والجموح العاطفي.
  • العداء "المغلف بالغرابة": حتى القصص التي قدّمت العربي كشخصية "وقورة" (مثل ألف ليلة وليلة)، أحاطته بإطار من "اللاواقعية والغرابة"، مما جعل العربي يبدو ككائن عجيب لا ينتمي للبشر الطّبيعيين.

خ‌.     القرن التاسع عشر وما بعده: العداء الاستعماري وصورة "الوحش":

مع بداية الاستعمار، تحول العداء من كراهية "الكافر" إلى كراهية "البربري" الذي يجب تمدينه.

  • الحيوانية والوحشية: وصف القادة العسكريون والمؤلفون الفرنسيون العرب بصفات حيوانية؛ فهم "بشر يشبهون النّمور والأفاعي". وصُوِّر العربي كـ "بشر يقطعون الرؤوس" ويفتقرون للأخلاق الأوروبية .
  • الأرض الثّقيلة والنّاس المخرِّبون:  ساد اعتقاد بأنّ العربي غير قادر على زراعة أرضه وأنّه رمز لـ "الفوضى والدّمار"، مما برّر لفرنسا غزو الجزائر تحت شعار "البعثة الحضارية".
  • التعامل مع الأمير عبد القادر: رغم الاحترام المتأخر له، عومل في البداية كـ "عدو شرس متّهم بالبربرية والتّعصب" قبل أن يتمّ "ترويضه" في المتخيل الفرنسي لخدمة الدعاية الإمبراطورية.
  • صورة (المجند Tirailleur):  في القرن العشرين، تحول العداء الصريح إلى "أبوية متعالية"، حيث اعتبر العربي كـ "طفل كبير" أو "كائن نصف متحضر" يحتاج دائماً لرعاية السيد الفرنسي لكي لا يعود لـ "وحشيته" الطبيعية.
  •  إن العداء الفرنسي للعربي والمسلم ولشخصية محمد ليس وليد اللحظة، بل هو بناء تاريخي متراكم بدأ بالخوف من "العدو الدّيني"، ثم الاحتقار لـ "المرابي"، ثم السّخرية من "النّبي"، وصولاً إلى قمع "البربري" المستعمَر.

04-المسرح الفرنسي في تحويل النّبي لمادة كوميدية:

لعب المسرح الفرنسي، وتحديداً في القرن الثامن عشر، دوراً محورياً في تجريد شخصية النبي محمد من هيبتها الدينية وتحويلها إلى مادة للفكاهة والتسلية ضمن إطار الكوميديا الإيطالية (Comédie italienne). وقد اعتُبر هذا التحول جزءاً من نزعة أوسع في ذلك العصر تهدف إلى السّخرية من "العدو القديم" وتحويل الفزع منه إلى ضحك . ويمكن تفصيل هذا الدّور من خلال النّقاط التّالية المستمدة من المصادر:

  1. النبي كمنطلق للتسلية بالعرب

تشير المصادر صراحةً إلى أنّه عندما أراد الفرنسيون التّسلية بالعرب، كان من الطبيعي بالنسبة لهم أن يبدأولا بنبّيهم كأول مادة للسّخرية. وقد تزعم هذه المبادرة ممثلو الكوميديا الإيطالية، ومؤلفون مثل "لوساج" (Lesage)، الذي استوحى مواقفه من حكايات "الأيام الألف واليوم" التي تتّسم بالخبث والواقعية أكثر من "ألف ليلة وليلة".

  1. توظيف الشّخصية في مسرحيات "أرلوكان"

تُعد مسرحية "أرلوكان محمد" (Arlequin Mahomet) التي عُرضت عام 1714 نموذجاً فجاً لهذا التّحويل الكوميدي:

  • التّنكر والمكائد:  في هذه المسرحية، يتنكر "أرلوكان" (الشّخصية الكوميدية الشّهيرة) بزي النّبي محمد للهرب من دائنيه، مستخدماً "صندوقاً طائراً" للهبوط في البصرة.
  • استغلال القداسة:  يتقمص أرلوكان دور النّبي بمهارة ليؤدي دور الوسيط في قصة غرامية، حيث يُقنع الملك بأنّ إرادته النّبوية تقتضي تزويج ابنته من أمير فارس.
  • المشهد الهزلي:  يظهر أرلوكان في صندوقه بين السّماء والأرض وسط مفرقعات نارية ووابل من الحجارة، مما يدفع "المحمديين" للسّجود ظناً منهم أنّه النّبي، وهو موقف صُمّم لإثارة ضحك الجمهور الفرنسي.
  • الفردوس الكوميدي:  في نهاية المسرحية، يرفع أرلوكان وصيفةً جميلة إلى مرتبة "حورية" لتدخل معه فردوسه الخاص، وهي سخرية واضحة من المفاهيم الإسلامية عن الجنّة.
  1. السّخرية من الشّعائر والحجاج:

لم يقتصر الأمر على شخصية النّبي، بل امتد ليشمل الشّعائر المرتبطة به.

  • مسرحية "حجاج مكة" (1726):  قدمت رحلة الحج إلى مكة كأمر هزلي تماماً، حيث يظهر الحجاج في مواقف تنكرية ومكائد غرامية داخل الخانات.
  • طائفة "القلندرية": صُوّر الحجاج والدراويش (مثل أرلوكان في زي قلندري) كفلاسفة يتبعون مبادئ المتعة تحت قناع الصّرامة، ويقضون وقتهم في الدّوران حول أنفسهم لطلب الصّدقة ومغازلة الفتيات.
  1. التّشويه عبر "الجموح الشّهواني":

استغل الخيال الفرنسي الماجن في القرن الثامن عشر فكرة تعدّد الزوجات والحريم لتصوير النّبي كشخصية تنقاد للملذات.

  • التناقض السّاخر: كان الكتاب والجمهور يتساءلون بلذة ساخرة كيف لرجل "نبي ووقور" أن يجمع بين الوقار وبين هذا القدر من "الجموح والانصياع للملذات".
  • تحويل الفردوس إلى "أحجية شهية": تم تصوير جنة محمد ومداعبات الحور العين كقصص لذيذة تُستخدم لإضفاء طابع كوميدي وغرامي على الشخصية العربية في المسرح.
  1. النبي كـ "ابن عم" في الروايات الهزلية

وصل الاستخفاف بقداسة الشّخصية إلى حد إنتاج روايات مثل "ابن عم محمد.. قصة أكثر من غرامية" (1762)، حيث يدّعي بطل القصة (وهو فرنسي مرسيلي) الدّخول في نسب النّبي ليتمكّن من دخول حريم الشّرق والقيام بمغامرات عاطفية، واصفاً النّبي بأنّه "ابن عمّه" لتحقيق مآرب شخصية.

كان المسرح الفرنسي في القرن الثامن عشر الأداة التي فكّكت صورة "المسلم المُخيف" وحولتها إلى "مسلم مخدوع ومثير للسخرية"، مستخدماً شخصية النّبي محمد وشعائر الإسلام كإطار عام لقصص التّنكر، وابتزاز الأموال، والمكائد الغرامية.

05-صورة العربي المستعمر:

خلال الحقبة الاستعمارية، تأرجحت هذه الصورة بين الشّرق السّاحر العجائبي وبين العدو البربري الذي يحتاج إلى "التّمدين". ويمكن استخلاص ملامح هذه الصورة من المصادر عبر المحاور التالية:

1.   الصورة العجائبية والشرق الساحر (القرن الثامن عشر):

  • تحول العالم العربي من كونه "نطاقاً للمسيح الدّجال" إلى حضارة غرائبية ومثيرة للإعجاب، تعيش في أجواء أسطورية مليئة بالجن والعجائب.
  • أصبح العربي رمزاً لـ "الشرق الميثولوجي"، وهو ما أثر بعمق في الحركة الرومانسية الفرنسية لاحقاً.
  • استلهم أدباء كبار مثل فولتير ومونتسكيو هذه الصّورة لخلق عوالم خيالية تتناسب مع هذا التّصور الغرائبي.

2.   صورة "البربري" والحيوانية في المسرح الاستعماري:

مع بداية القرن التاسع عشر والاحتلال الفرنسي للجزائر، سيطر "المنطق العسكري" على صورة العربي في المسرح، حيث تمّ تصويره ككائن خارج عن الحضارة.

  • تم تكريس صورة العربي كـ "بربري " (Barbarian)، وهو تعريف يضعه دائماً خارج سياق الحضارة الغربية وفي حالة صدام دائم معها.
  • لجأ المسرح الفرنسي إلى "حَيْوَنَةِ" أو "تَبْشِيعِ" العربي عبر استعارات لغوية تصفه بالوحش، أو النّمر، أو الثّعبان الذي يزحف ويغدر .
  • شاعت صورة العربي كـ "قاطع رؤوس" و"متعصّب" لترسيخ فكرة أنّه كائن غير عقلاني يقاد بغرائزه العنيفة.
  • وُصف العربي بأنه رمز لـ "الفوضى والدمار"، وغير قادر على استغلال أرضه "البائرة"، ممّا برّر التّدخل الفرنسي كـ "بعثة حضارية".

3.       صورة المرأة العربية : بين الإغراء و"المتوحشة":

لم تكن صورة المرأة العربية بمعزل عن هذا التّصنيف الإيديولوجي، بل خضعت لقوالب نمطية محدّدة.

  • قُدمت في البداية كـ "جارية" أو "حورية" سلبيةٍ تعيش في الحريم، وهي صورة مستمدّة من الفانتازيا الاستشراقية .
  • لاحقاً، ظهرت صورة "المرأة المتوحشة" التي تجمع بين الجاذبية الحسيّة والغرائز الحيوانية، حيث تُصور كـ "نمرة" أو "كلبة" في سياق يمزج بين الإغراء والنفور .
  • تمّ تصوير جسد المرأة العربية كـ "إقليم يجب استكشافه وغزوه"، ممّا يعكس عقلية الهيمنة الاستعمارية.

4.   العربي "الأليف" والصورة الكوميدية (النّاطق بالصابير):

ظهرت صورة أخرى للعربي "المُدجن" أو الحليف لفرنسا، وهي صورة تتسم بالبساطة والساذجة.

  • استُخدمت لغة "الصابير" (Sabir) -وهي فرنسية مكسّرة- لإظهار العربي كشخص مضحك، وأحمق، وطفولي.
  • تحول العربي في بعض المسرحيات الكوميدية إلى شخصية "جوكرس" (Jocrisse)  ([27])، وهو الأبله الذي يسهل خداعه أو السّخرية من عاداته.
  • برزت صورة "المجند الجزائري" (Tirailleur) كـ "طفل مُتَبَنَّى" لفرنسا الكبرى، وهو شخصٌ شجاعٌ ومخلصٌ لكنه يفتقر إلى الذكاء العالي ويحتاج دائماً لتوجيه الضابط الفرنسي .

5.                 شخصية الأمير عبد القادر: تحوّل النّموذج:

تعد صورة الأمير عبد القادر حالة استثنائية في المصادر الفرنسية، حيث مرّت بخمس مراحل من التّحول.

  • بدأ ك ـ "عدوٍّ شرس" متّهم بالبربرية والتّعصب خلال فترة المقاومة.
  • تحول في المخيال الفرنسي إلى "بطل نبيل" و"محارب شهم" بعد استسلامه، وخاصة بعد موقفه الإنساني في حماية المسيحيين في سوريا عام 1860 .
  • انتهى به الأمر كـ "صديق وفي لفرنسا"، وتم استغلال صورته في المسرح لإظهار "تسامح" الإمبراطورية الفرنسية وقدرتها على تحويل العدو إلى حليف "متمدن" .

6.     رد الفعل العربي الحديث (مرآة الانتقام):

تشير المصادر أيضاً إلى كيف حاول الأدب العربي الحديث (المترجم للفرنسية) تفكيك هذه الصور النّمطية.

  • في روايات مثل "موسم الهجرة إلى الشمال"، يتمّ تصوير الشّخصية العربية كـ "غازٍ بدوي" في قلب أوروبا، كنوع من الانتقام التّاريخي عبر "تأنيث" الغرب واختراقه .
  • تحول الصراع من كونه عسكرياً إلى صراع "هويات قاتلة" يحاول فيها العربي تعريف نفسه بعيداً عن العدسة التي وضعه فيها الغرب.

إن صورة العربي في هذه المصادر ليست حقيقة واقعية بل هي "جغرافيا خيالية" بناها الغرب لتبرير سيطرته الثّقافية والسّياسية، حيث تراوحت بين التّبجيل الأسطوري، والاحتقار الحيواني، والأبوية المتعالية. ([28])

 



[1] - فُصِلَت هذه الدراسة، وأُعطيَت تطويرًا جديدًا، عن كتابٍ سيصدر في الأشهر الأولى من سنة 1906 تحت عنوان: الشرقُ في الأدب الفرنسي في القرنين السابع عشر والثامن عشر.

[2] مذكِّرات الشوفالييه دارفيو (Mémoires du Chevalier d'Arvieux)، 1735، الجزء الثالث، ص 188 و189

[3] - انظر مثلًا غيز دو بلزاك (Guez de Balzac)، في تصدير كتاب الأمير (le Prince).

[4] - على سبيل المثال: موليير (Molière): الطائش (l'Étourdi)؛ تريستان لرميت (Tristan l'Hermite): الطُّفَيلي (le Parasite).

[5] - حكايات صغيرة (Historiettes)، الجزء التاسع، ص 509.

[6] - البخيل (l'Avare)، الفصل الثاني، المشهد الأول.

[7] - بولانفيليّه (Boulainvilliers): تاريخ العرب (Histoire des Arabes)، 1731، ص 8.

[8] - نيبور (Niebuhr): وصف بلاد العرب (Description de l'Arabie)، 1774؛ رحلة إلى بلاد العرب (Voyage en Arabie)، 1776.

[9] - كلُّ هذه المسألة مفصَّلةٌ في محاضرةٍ ستُلقى في مؤتمر المستشرقين بالجزائر (أفريل 1905) تحت عنوان: محمد في فرنسا في القرنين السابع عشر والثامن عشر.

[10] - ألفُ ليلةٍ وليلة، الجزء الأول، 1704، التصدير (Avertissement)..

[11] - نُشِرَت مذكِّراتُ دارفيو (d'Arvieux) بعد وفاته. ففي سنة 1717 صدرَت: حكايةُ رحلةٍ إلى الأمير الكبير (Relation d'un voyage fait vers le grand émir) ، وفي سنة 1735 صدرَت: مذكِّرات الشوفالييه دارفيو. مجموعةٌ من مذكِّراته الأصلية ومرتَّبةٌ مع تأمّلاتٍ (Mémoires du chevalier d'Arvieux... recueillis de ses mémoires originaux et mis en ordre  avec des REFLEXIONS)  بقلم ج.-پ. لابا (J.-P. LABAT) ، 6 أجزاء، حجم صغير.

[12] - بولانفيليّه (Boulainvilliers)، حياة محمد (La Vie de Mahomet)، 1730. تاريخ العرب مع حياة محمد (Histoire des Arabes avec la vie de Mahomet)، 1731.

[13] - دارفيو (D'Arvieux)، مذكِّرات (Mémoires)، الجزء الثاني، ص 188.

[14] - بولانفيليّه (Boulainvilliers)، تاريخ العرب (Histoire des Arabes)، ص 3.

[15] المرجع نفسه، ص 37.

[16] -  دارفيو (D'Arvieux)، الجزء الثالث، ص 178.

[17] - انظر الحكايات الطريفة للشوفالييه دارفيو (Chevalier d'Arvieux)، الجزء الثالث، ص 200 و99.

[18] - دو بولانفيليّه (Boulainvilliers)، P :245

[19] - انظر رواية مالك (Malek) في تتمة حكاية بدر الدين لولو (Bedreddin Lolo) ووزيره (ألف يوم ويوم)

[20] -أرلوكان محمد (Arlequin Mahomet) ، المشهد الثاني عشر.

[21] - بقلم لوساج (Lesage) ودورنوفال (d'Orneval). والموضوع مستعار من حكاية أتالمو (Atalmuc)، الملقّب بالوزير الحزين (ألف يوم ويوم)

[22] - انظر محاضرة السيد غيفري (M. Guiffrey) (بهذا العنوان) في الجلسة العامة للأكاديمية الفرنسية (l'Académie FRANÇAISE) بتاريخ 25 أكتوبر 1901. - أ. بوپ (A. BOPPE) ، الرسّام ج. ب. فان مور والمهزلة التركية في روما سنة 1748 (Le peintre J. B. Van Mour et la mascarade turque à Rome en 1748) ، 1902.

[23] - وقد أُعيدت صياغتها مرة أخرى سنة 1776.

[24] - لم تُمثَّل.

[25] - لم تُمثَّل.

[26] - رسالة إلى دارجنتال (d'Argental). 20 سبتمبر 1756.

[27]- Un jocrisse désigne un homme naïf, nigaud ou crédule qui se laisse facilement duper. Issu d'un personnage de valet maladroit et ridicule du théâtre de boulevard, le terme est souvent employé pour qualifier un homme soumis ou un mari qui se laisse mener par sa femme.   (Https://fr.wikipedia.org/wiki/Jocrisse).

(يشير مصطلح "Jocrisse" إلى رجل ساذج أو غبي أو سهل الانخداع، يقع بسهولة ضحية للخداع. ويعود أصل هذا المصطلح إلى شخصية خادم أخرق ومثير للسخرية في مسرح البوليفار (المسرح الشعبي)، وغالبًا ما يُستخدم لوصف رجل خانع أو زوج تسيطر عليه زوجته وتقوده كما تشاء.)  (المترجم)

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التعبير والتجريد في الشعر الحديث.. بقلم : حبيب مونسي

  كيف كان الشعر العربي..وكيف أصبح؟ ما هي مشكلته اليوم؟ التعبير والتواصل.. التجريد والاغتراب؟ كيف ينظر النقد إلى هذه المعضلة؟ .. ما المخرج إذا؟

التمثيل في القرآن الكريم.

تتناول هذه المداخلة التمثيل في القرآن الكريم باعتباره أسلوبا مشهديا لتقريب المعنى وتجسيده أمام القارئ كما تبين دور التمثيل في فتح الدلالة على آفاق تأويلية متعددة.

نظرية التلقي.. رؤية فلسفية أم منهج؟؟ كيف فهمناها؟؟ بقلم : حبيب مونسي

كثيرا ما صرنا نلهج اليوم بشيء يسمى نظرية التلقي .. ويسعى كثيرا من طلبة الجامعات إلى التقاط هذا العنوان ليكون شارة في دراساتهم.. لكن هل فعلا نعي خطورة ما نقدم عليه؟؟ هل فعلا فهمنا المراد منها؟؟ أم أننا دوما نجري وراء مسميات فارغة نزين بها لوحاتنا البحثية.؟؟

أحاديث في النقد والأدب والفكر..محمولات الألفاظ الثقافية....الحلقة 04.

تتناول هذه الحلقة الحديث عن المحمولات الثقافية التي يكتنزها اللفظ والتي تتراكم فيه عبر الازمنة والاستعمالات فتكون بمثابة المرجع الثقافي والمعرفي الذي يحيل عليه اللفظ. وحينما يستعمل الأديب الألفاظ إنما يريد استثمار تلك المحمولات لترفد المقاصد التي يرومها والمرامي التي يرد للمعنى أن ينفتح عليها.. كما أنها تدفع القارئ إلى تحرك ثرائها لإنتاج المعنى وتحيين النص قراءة وتلقيا..

نقرأ لنكتب أم نكتب لنقرأ؟هل بيننا وبين الغرب في هذا من اختلاف؟ بقلم : حبيب مونسي

هل نقرأ لنكتب؟ أم نكتب لنقرأ؟ ما الفرق بين الوضعيتين؟ هل تقديم القراءة على الكتابة يغير من وضعها؟ هل تأخير الكتابة على القراءة يكشف جديدا في العملية الإبداعية؟ لماذا لا يرى الغرب من وجود للعالم إلا داخل الكتابة؟ ولماذا نراه خارجها؟ هل هذا الفهم يفرض علينا أن نعيد النظر في نظرياتنا النقدية الحداثية؟

حوار حول رواية: مقامات الذاكرة المنسية. مع حبيب مونسي. بقلم : تقار فوزية

مقامات الذاكرة المنسية، الرواية الماقبل الأخير للروائي الناقد الأستاذ حبيب مونسي والتي حظيت بعدد من الدراسات الأكاديمية- رسائل ماجستير ودكتوراه .  إنها الرواية التي حاولت أن لا تشتغل بأساليب السرد الغربية التي شاعت في الكتابات الجديدة،