التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمن النّفسي، سيرة السّكينة بين لغة العرب، ووحي القرآن، وعلم الإنسان

 الأمن النّفسي، سيرة السّكينة                                                                        

بين لغة العرب، ووحي القرآن، وعلم الإنسان

                                                                                                                                                                         حبيب مونسي

                                                                                                                                 عضو المجلس الأعلى للغة العربية- الجزائر

 ثمّة حاجة إنسانية خفيّة لا تعلن عن حضورها بضجيج، ولا تتكشّف قيمتها الفعالة إلاّ حين نفتقدها: أن يستشعر المرء، في غمرة مكابداته اليومية، أنّ الأرض التي يقف عليها ثابتة لا تميد، وأنّ الغد لن ينقض عليه بغتة. هذه الحاجة العميقة هي ما يصطلح عليه علماء النّفس بـ "الأمن النّفسي"، وهي ذاتها التي استبطنتها لغة العرب منذ تشكل جذورها الأولى في لفظة تكتنز معنى الإيمان ذاته. ولعل في هذا التقاطع اللغوي إيماءة باكرة إلى أنّ البشرية، على اختلاف ألسنتها وحضاراتها، قد أدركت أنّ الطمأنينة ليست ترفا عابرا، بل هي القاعدة الصلبة التي ينهض عليها كلّ نماء وكلّ إبداع.

وحين نغوص في المعجم العربي بحثا عن أصل الكلمة وتماهي الأمن مع الإيمان، يلفت ابن فارس في "مقاييس اللغة" الانتباه إلى أنّ المادة اللغوية "أ، م، ن" تدور في فلك دلالي جامع ينهض على الطّمأنينة التي تسكن إليها النّفس، والثقة التي يهدأ بها القلب، في تقابل ضدي مع معاني الخيانة والخوف. ومن هذا الجذر الأصيل تتفرع ألفاظ "الأمانة" و"الأمان" و"الإيمان"، في دلالة واضحة على أنّ العقل العربي، بحدسه البلاغي، لم يفصل قط بين السكينة النفسية، والموثوقية الأخلاقية، والاعتقاد القلبي. فمن كان أمينا صار مأمونا، ومن آمن بشيء ألقى إليه بطمأنينته. ولا يمثل هذا التداخل الاشتقاقي مجرد مصادفة صوتية، بل هو انعكاس لتصور عربي موغل في القدم، يقرّ بأنّ سلامة الفرد النفسية تظل مرتهنة باستقامة صلاته بمحيطه وبما ينعقد عليه قلبه من إيمان. وحين نغادر الحقل المعجمي صوب الواقع الإنساني، نكتشف أنّ هذا الحدس اللغوي المبكر يتقاطع، بانسجام بالغ، مع المقررات التي خلص إليها علم النّفس المعاصر بعد قرون من الرصد والتجريب.

                وفي مقاربات علم النّفس التي تؤكد أنّ الأمن حاجة وجودية لا رفاهية عابرة، صاغ العالم الأمريكي "أبراهام ماسلو" في منتصف القرن العشرين هرمه الشّهير للاحتياجات الإنسانية. حيث بوأ "الحاجة إلى الأمان" المرتبة الثّانية مباشرة إثر الحاجات الفيزيولوجية الصّرفة، ممّا يعني أنّها تسبق الحاجة إلى الحب والانتماء والتقدير. ويفضي هذا الترتيب إلى أنّ الإنسان المكبل بقلق الغد، أو القابع في بيئة تفتقر إلى الاستقرار، يبقى قاصرا عن ارتقاء مراتب النمو العليا كالتحقق الذاتي والإبداع؛ نظرا لاستنزاف طاقته النفسية في محاولة تأمين وجوده البدائي.

وقبل "ماسلو" بعقود، قارب عالم النّفس التحليلي إريك إريكسون فكرة مشابهة حين جعل ثنائية "الثقة مقابل الريبة" محطة انطلاق النمو النّفسي للرضيع؛ فالطفل الذي يلقى استجابة منتظمة لحاجاته، يرسخ في أعماقه ثقة قاعدية بالعالم ترافقه طيلة حياته، في حين أنّ حرمانه من ذلك يغرس في نفسه بذرة قلق وجودي يستعصي اجتثاثه لاحقا. وفي ذات المسار، بلور عالم النّفس البريطاني "جون بولبي" "نظرية التّعلق"، مؤكدا أنّ الطفل يفتقر إلى "قاعدة آمنة" يستقي منها الطمأنينة قبل أن يقتحم غمار استكشاف العالم، وهي الأطروحة التي عمقتها لاحقا الباحثة "ماري أينسورث" عبر تجربتها ذائعة الصيت "الموقف الغريب".

                أمّا في الفضاء الفرنكوفوني، فقد نحت الطبيب النّفسي "بوريس سيرولنيك" مفهوما دقيقا تمثل في "المرونة النفسية"، حيث فصّل في كتابه "شقاء رائع" كيف يفلح بعض الأفراد الذين كابدوا صدمات قاهرة في ترميم أمنهم الداخلي، ليس عبر إنكار مكابدتهم، بل بالاستناد إلى ما أسماه "أوتاد المرونة"، كالعلاقات الحانية، أو تشبث المرء بمعنى معين، أو رمز يمنحه مسوغا للبقاء. وفي هذا السياق المعرفي، يبرز الطبيب النمساوي "فيكتور فرانكل"، الناجي من فظائع معسكرات الاعتقال، كشاهد حي على أنّ استتباب الأمن النّفسي لا يشترط بالضرورة انتفاء الخطر الخارجي تماما، بل يكفي أن يظفر الإنسان بمعنى لمعاناته، كما وثّق ذلك في مؤلّفه "الإنسان يبحث عن المعنى"، ليسترد جزءا من سكينته حتّى في أشد اللحظات قتامة. تتقاطع هذه الرؤى المتعددة عند حقيقة جوهرية تقرّ بأنّ الأمن النّفسي لا يتحدد بغياب الأزمات، بل يتمثل في القدرة الباطنية على استيعابها دون انشطار الذات. غير أنّ هذا التصور العلمي، على ما يحمله من عمق، يظل قاصرا عن بلوغ الآفاق التي دشنها الوحي القرآني، حين ارتقى بمفهوم الأمن ليتجاوز حدود البيئة ويرتبط بصلب العقيدة ذاتها.

                وهنا يتجلى الخطاب القرآني ليضع ميزان الطمأنينة الخالص، إذ يقرر الحق تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82]. تصوغ هذه الآية الكريمة، في بلاغتها الموجزة، معادلة نفسية وربانية محكمة؛ حيث يرتبط تحقق الأمن بشرطين متلازمين. والأمن في هذا السّياق يتجاوز مجرّد انتفاء الخوف المادي، ليغدو سكينة وجودية شاملة تمتد من الدّار الدّنيا إلى الآخرة، لا تجلب بمال أو جاه، بل تتولّد من تماسك البنيان الدّاخلي للإنسان.

يتمثّل الشّرط الأول في الإيمان الخالص، الذي يعتق الإنسان لحظة تحقّقه من سطوة القلق حيال المجهول، فيعتاض عن حيرته الوجودية بيقين ثابت في حكمة المدبّر ورحمته. أمّا الشّرط الثّاني فيتجسّد في إخلاص التّوحيد ونبذ الظّلم، وقد بيّن النّبي صلى الله عليه وسلم أنّ المقصود بالظلم هنا هو الشّرك. ويقرّر "ابن كثير" رحمه الله، في هذا المقام أنّ من أفرد الله بالعبادة وتبرأ من الشّرك هم الآمنون في يوم المآب. بينما يقدّم "سيد قطب" في ظلاله مقاربة نفسية عميقة لهذا النّسق، معتبرا أنّ جذور الخوف تتخلّق من إشراك النّفس مع خالقها، سواء أكان شركا بالمخلوقات، أم انصياعا للهوى، أم ارتهانا للأوهام؛ فمتى ما تنزّهت النّفس عن هذه الشّوائب وتجرّدت لبارئها، استعادت طمأنينتها الفطرية وسكنت في حماه.

                وتتساوق هذه القراءة القرآنية مع مقرّرات علم النّفس المعاصر المتعلّقة بأثر تعدّد مرجعيات القيمة الذّاتية في تفتيت الاستقرار النّفسي. فالفرد الذي يرهن طمأنينته بمصادر متضاربة كاسترضاء الآخرين، أو جمع المال، أو تحصيل الجاه، يظل عرضة لتمزّق داخلي كلّما اهتز أحد هذه الأركان، وهو ما يصوّره القرآن الكريم بحالة من يُلبس إيمانه بشوائب الشّرك. أمّا من أخلص وجهته، فقد حصّن مصدر أمنه. وهذا البعد الاجتماعي والرّوحي هو ما استلهمه "الشيخ عبد الحميد بن باديس" حين أقرّ بأنّ الأمن والهداية هما عماد نهضة الأمّة، وأنّ تحرّر أفرادها من رقّ الأوهام يمثّل الشّرط الحاسم لتشييد حضارة مستقرة. ولا مناص من الإشارة إلى أنّ دلالة "الظّلم"، كما نبّه إليها "ابن القيم" رحمه الله، تتّسع لتشمل المعاصي والاعتداء على حقوق العباد، ممّا يورث النّفس وحشة خفيّة، في حين تُنبت الطّاعة والعدل طمأنينة متجذّرة تنبع من تطابق السّلوكيات مع النّسق القيمي الباطني، وهو ما يقارب بقوة مصطلح "الانسجام النّفسي" في الأدبيات السّيكولوجية.

                وإذا كانت آية الأنعام قد أرست الأساس العقدي لتحقيق الأمن، فإنّ قوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرّعد: 28] يبسط الآلية العملية واليومية لتجسيده، لتكون معراجا للنّفس من الأمن إلى الطّمأنينة. فحرف الاستفتاح "ألا" يقرع باب النّفس الغافلة ليلفتها إلى حقيقة مطلقة، في حين يضفي تقديم شبه الجملة "بذكر الله" دلالة القصر، تأكيدا على أنّ استقرار القلوب مرهون بذكر الخالق وحده. وفي هذا الصّدد، يوضح "الطبري" رحمه الله، أنّ الطمأنينة تعني تبدّد الشّك والرّيبة واستتباب اليقين، بينما يؤكد "ابن القيم" أنّ ثبات القلب في مهبّ عواصف الحياة لا يتحقّق إلاّ بهذا الذّكر الذي يروي ظمأ فطريا لا يسده سواه.

وعند استنطاق الآلية النّفسية لهذا الذّكر، نلحظ أنّه يشتغل وفق ثلاثة مسارات متضافرة: فهو يتدخّل أولا لتصويب رؤية الفرد لحجم مأساته، مذكّرا إياه بحقيقة زوال الدّنيا وأنّ الصبر على الابتلاء موعود بالأجر. ثمّ إنّه يورّث ثانيا شعورا عميقا بالمعيّة ينفي قسوة العزلة، وهو ذات الشّعور الذي راهنت عليه "نظرية التّعلق" حين أرجعت القلق إلى إحساس المرء بالعجز. وأخيرا، يمثّل الذّكر قناة فعالة للتّفريغ الانفعالي عبر مناجاة الله، وهي آليات تتقاطع بنيويا مع ما يصطلح عليه علم النّفس بـ "التّسامي" و"التّنفيس الانفعالي". وهو الهاجس الذي التفت إليه المفكر "مالك بن نبي" رحمه الله، حين شخّص أزمة الحضارة الغربية الحديثة بوصفها أزمة خواء روحي؛ فرغم نجاحها المادي، إلاّ أنّها أخفقت في هبة الإنسان سكينة النّفس، ليتحوّل إلى مجرد ترس في آلة مادية صمّاء، يرزح تحت وطأة قلق مزمن لا تبدّده الوفرة الاستهلاكية. وهذا التّشخيص المبكر يكاد يتطابق مع ما يصوغه علماء النّفس اليوم تحت مسميات "قلق العصر" و"الفراغ الوجودي".

                يتبين من خلال هذا المسار التّحليلي الذي وازن بين الحدس البلاغي للغة العربية، وطروحات علم النّفس الحديث، والبيان القرآني المعجز، أنّ الطمأنينة حصن ذاتي لا يمكن استيراده، والأمن النّفسي ليس مجرّد حالة من الرّضا السّلبي، بل هو امتلاء باطني بالسّكينة يؤهّل المرء لمجابهة تقلبات الأيام برباطة جأش وثبات. وسواء أرددنا النّظر إلى هذه القضية من منظور "ماسلو"، أو عبر مقاربة "سيرولنيك"، أو من خلال الرّؤية القرآنية التي ربطتها بصفاء التّوحيد، فإنّنا نخلص إلى حقيقة مركزية واحدة: إنّ هذا الأمن نتاج تلاحم بين بيئة راعية، ومرونة نفسية ذاتية، وبنيان عقدي سليم. هذا البنيان يمنح الإنسان بوصلة معرفية واضحة تدرك المنشأ، وتعي الغاية، وتستشرف المصير، وهو ما يمثّل، في التّحليل الأخير، جوهر الاستقرار النّفسي والوجودي الذي تنشده الإنسانية في كلّ زمان ومكان.

                

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التعبير والتجريد في الشعر الحديث.. بقلم : حبيب مونسي

  كيف كان الشعر العربي..وكيف أصبح؟ ما هي مشكلته اليوم؟ التعبير والتواصل.. التجريد والاغتراب؟ كيف ينظر النقد إلى هذه المعضلة؟ .. ما المخرج إذا؟

التمثيل في القرآن الكريم.

تتناول هذه المداخلة التمثيل في القرآن الكريم باعتباره أسلوبا مشهديا لتقريب المعنى وتجسيده أمام القارئ كما تبين دور التمثيل في فتح الدلالة على آفاق تأويلية متعددة.

نظرية التلقي.. رؤية فلسفية أم منهج؟؟ كيف فهمناها؟؟ بقلم : حبيب مونسي

كثيرا ما صرنا نلهج اليوم بشيء يسمى نظرية التلقي .. ويسعى كثيرا من طلبة الجامعات إلى التقاط هذا العنوان ليكون شارة في دراساتهم.. لكن هل فعلا نعي خطورة ما نقدم عليه؟؟ هل فعلا فهمنا المراد منها؟؟ أم أننا دوما نجري وراء مسميات فارغة نزين بها لوحاتنا البحثية.؟؟

أحاديث في النقد والأدب والفكر..محمولات الألفاظ الثقافية....الحلقة 04.

تتناول هذه الحلقة الحديث عن المحمولات الثقافية التي يكتنزها اللفظ والتي تتراكم فيه عبر الازمنة والاستعمالات فتكون بمثابة المرجع الثقافي والمعرفي الذي يحيل عليه اللفظ. وحينما يستعمل الأديب الألفاظ إنما يريد استثمار تلك المحمولات لترفد المقاصد التي يرومها والمرامي التي يرد للمعنى أن ينفتح عليها.. كما أنها تدفع القارئ إلى تحرك ثرائها لإنتاج المعنى وتحيين النص قراءة وتلقيا..

نقرأ لنكتب أم نكتب لنقرأ؟هل بيننا وبين الغرب في هذا من اختلاف؟ بقلم : حبيب مونسي

هل نقرأ لنكتب؟ أم نكتب لنقرأ؟ ما الفرق بين الوضعيتين؟ هل تقديم القراءة على الكتابة يغير من وضعها؟ هل تأخير الكتابة على القراءة يكشف جديدا في العملية الإبداعية؟ لماذا لا يرى الغرب من وجود للعالم إلا داخل الكتابة؟ ولماذا نراه خارجها؟ هل هذا الفهم يفرض علينا أن نعيد النظر في نظرياتنا النقدية الحداثية؟

حوار حول رواية: مقامات الذاكرة المنسية. مع حبيب مونسي. بقلم : تقار فوزية

مقامات الذاكرة المنسية، الرواية الماقبل الأخير للروائي الناقد الأستاذ حبيب مونسي والتي حظيت بعدد من الدراسات الأكاديمية- رسائل ماجستير ودكتوراه .  إنها الرواية التي حاولت أن لا تشتغل بأساليب السرد الغربية التي شاعت في الكتابات الجديدة،