سرّ المولد عند البشير الإبراهيم
من
ذكرى الميلاد إلى ميلاد الإنسان
حبيب
مونسي
عضو
المجلس الأعلى للغة العربية – الجزائر
تمهيد:
قال
الشّيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله:
(ليس
السرّ – أيّها السّادة – في أنّ مولودًا وُلِد، ولو في بيتٍ رفيع العماد كبيت عبد
المطلب، وهو مَن هو في بني هاشم، وهاشم هو مَن هو في قريش، وقريش سنام العرب
وعمّار البطحاء وسدنة بيت إبراهيم. وكم من مولودٍ وُلد في تلك اللّيلة وفي أمثالها
من اللّيالي، فما زانوها ولا زانتهم، ولا زادوا الوجود الذي أتَوه شيئًا، ولا
نقصوا العدم الذي فارقوه نقطة، ولا زادوا في سجلّ التّاريخ حرفًا.
إنّما
السرّ الذي يجب أن يتبيّنه السّامعون الواعون هو أنّ هذه اللّيلة وُلد فيها الهدى
الذي محق الضّلال، ووُلد فيها الحقّ الذي محا الباطل، ووُلد فيها النّور الذي نسخ
الظّلام، ووُلد فيها التّوحيد الذي أمات الوثنية، ووُلدت فيها الحرية التي انتقمت
من العبودية، ووُلد فيها التّساوي الذي قضى على الأثرة والأنانيّة، ووُلد فيها
التّآخي الذي أبطل البغي والعدوان، ووُلدت فيها الرّحمة التي قضت على القسوة
والجبروت وعلى البخل وآثاره، ووُلدت فيها الشّجاعة التي تنصُر الحقيقة وتمهّد
الطّريقة، وبالإجمال وُلد فيها الإسلام وما أدراكم ما الإسلام.
أيّها
السّادة، هذه بعض الذّكريات التي توحيها إلينا ليلة المولد النّبوي، فتثير الهمم
الرّواكد، وتستفزّ العزائم الفاترة، وتصحّح ما اندثر من الحقائق والعقائد، أحْيُوا
هذه الذّكريات في نفوسكم ونفوس أبنائكم وبناتكم، تحيَوا ويحيَوا مسلمين صالحين
مصلحين هادين إلى الحقّ مهديّين به. والسّلام عليكم ورحمة الله.)
آثار
البشير الإبراهيمي، ج1،
ص317.
01-
ميلاد الأثر لا ميلاد الشّخص:
تبدو
كلمة الشّيخ البشير الإبراهيمي، في ظاهرها، كلمةً في مناسبة دينية، غير أنّها في
جوهرها نصٌّ إصلاحي مكتمل البناء. لم يُرد الرّجل أن يضيف إلى الكلام المتداول في
المولد شيئًا عن نسب النّبي ﷺ، أو عام الفيل، أو بشائر الميلاد، بل أراد أن يستخرج
من المناسبة قانونًا أخلاقيًا واجتماعيًا لحياة المسلمين، فبنى خطابه على حركة
ثلاثية: نفي المعنى السّطحي للمولد أوّلًا، ثمّ إثبات معناه العميق، ثمّ تحويل هذا
المعنى إلى مسؤولية تربوية وحياتية. وهذه الحركة الثّلاثية هي التي تمنح النّصّ
وحدته الدّاخلية.
يفتتح
الإبراهيمي كلامه بنفيٍ يبدو للوهلة الأولى غريبًا: “ليس السّرّ – أيّها السّادة –
في أنّ مولودًا وُلِد”. وهذه الجملة هي المدخل الحقيقي إلى فلسفة النّصّ؛ فهو لا
ينكر أهمّية ميلاد النّبي ﷺ، وإنّما يرفض أن يُختزل معنى المولد في مجرّد وقوع
الولادة، وهي حادثة بيولوجية تتكرّر كلّ لحظة. فقد وُلد في مكّة، وفي تلك السّنة
نفسها وفي غيرها من السّنين، أطفالٌ كثيرون لم يصبح واحدٌ منهم حدثًا تاريخيًا
لمجرّد أنّه وُلد. ومن هذه المفارقة يستعمل الإبراهيمي مقابلة دقيقة بين المولود
والمولود فيه: فالمولود شخصٌ، أمّا المولود فيه فعالمٌ جديد من القيم والمعاني،
ولهذا يقول: “فما زانوها ولا زانتهم، ولا زادوا الوجود الذي أتَوه شيئًا، ولا
نقصوا العدم الذي فارقوه نقطة، ولا زادوا في سجلّ التّاريخ حرفًا”. وهذه العبارة
من أجمل فقرات النّصّ، لأنّها تكشف أنّ معيار العظمة عند الإبراهيمي ليس النّسب
ولا الشّهرة ولا مجرّد الوجود، وإنّما الأثر؛ فالإنسان عنده لا يُقاس بمقدار ما
احتلّ من المكان، بل بمقدار ما غيّر من العالم.
ويلتقي
هذا المعنى بالتّصوّر القرآني للإنسان من حيث مسؤوليّته في الإصلاح والعمران، كما
يلتقي بالمشروع الإصلاحي العامّ الذي شارك الإبراهيمي في بنائه؛ فقد كانت جمعية
العلماء، في تصوُّرها، حركة تعليمٍ وهدايةٍ وإصلاحٍ وترقيةٍ أخلاقية، لا مجرّد
هيئة دينية تقليدية، وتؤكّد الوثائق التّعريفية بالجمعية أنّ من مقاصدها نشر العلم
والدّين والعربية ومكارم الأخلاق ومحاربة الرّذائل الاجتماعية. ومن هنا لم يكن
المولد عند الإبراهيمي مناسبة للعودة إلى الماضي بقدر ما كان مناسبة لمساءلة
الحاضر؛ فالسّؤال الكامن في خلفية النّصّ ليس: متى وُلد محمّد؟ بل: ماذا غيّر
محمّد في الإنسان والتّاريخ؟ وشتّان بين السّؤالين.
02-
سلسلة القيم، الهدى والحقّ والنّور:
بعد
أن يهدم الإبراهيمي المعنى السّطحي للمناسبة، يضع أمام سامعيه المعنى الذي يريده:
“إنّما السّرّ الذي يجب أن يتبيّنه السّامعون الواعون هو أنّ هذه اللّيلة وُلد
فيها الهدى الذي محق الضّلال”. ومن هذه الجملة ينطلق البناء الحقيقي للنّصّ، إذ لا
يصف النّبي ﷺ بصفة واحدة، بل يجعل مولده نقطة التقاء منظومة كاملة من القيم:
الهدى، والحقّ، والنّور، والتّوحيد، والحرّية، والتّساوي، والتّآخي، والرّحمة،
والشّجاعة. وهذه الكلمات ليست قائمة عشوائية، بل خريطة مختصرة لما يراه الإبراهيمي
جوهر الإسلام؛ فالإسلام عنده لم يأتِ ليضيف شعيرة إلى شعائر البشر، بل جاء ليقلب
ترتيب القيم في الإنسان والمجتمع، ولهذا جاءت الأفعال المرافقة لكلّ قيمة قويّةً
حاسمة: الهدى محق الضّلال، والحقّ محا الباطل، والنّور نسخ الظّلام، والتّوحيد
أمات الوثنية، والحرّية انتقمت من العبودية، والتّساوي قضى على الأثرة والأنانية،
والتّآخي أبطل البغي والعدوان، والرّحمة قضت على القسوة والجبروت. إنّها لغة
إصلاحية لا لغة احتفالية، والمولد بهذا المعنى ليس زمنًا للانفعال العاطفي وحده،
بل زمن استعادة القيم التي جاء بها النّبي ﷺ.
يبدأ
الإبراهيمي بـ”الهدى”، ولعلّ في هذا التّرتيب دلالة؛ فالضّلال عنده ليس خطأً في
العقيدة وحسب، بل حالة حضارية كاملة يفقد فيها الإنسان البوصلة التي تهديه إلى
الحقّ والخير، والرّسالة المحمدية في القرآن مرتبطة بهذا المعنى ارتباطًا وثيقًا:
﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾، والنّبي ﷺ ليس حامل معلومات دينية فحسب، بل حامل هداية. ولهذا
لا ينبغي أن يعيد المولد إلينا صورة النّبي ﷺ في الذّاكرة فقط، بل وظيفة الهداية
في حياتنا، وتبرز براعة الإبراهيمي الإصلاحية في أنّه لا يسمح للسّيرة أن تتحوّل
إلى متحف، ولا للنّبي ﷺ إلى صورة تاريخية معلّقة على جدار الذّاكرة؛ فهو عنده قوّة
تغيير، وهي الفكرة التي تجعل النّصّ متجاوزًا لمناسبته إلى سؤال الحضارة: ماذا بقي
من الهداية فينا إذا كنّا نحتفل بمن جاء بالهدى، ثمّ نعيش في واقع يناقض مقتضاه؟
ثمّ
يقول: “وُلد فيها الحقّ الذي محا الباطل”، والحقّ هنا ليس مجرّد الصّدق في الكلام،
بل منظومة كاملة من الاعتقاد والقيمة والعدل. فقد كان المجتمع العربي قبل الإسلام
قائمًا على منظومات من القوّة والنّسب والعصبيّة والثّأر، وكان الحقّ في كثير من
الأحيان يتحدّد بحسب موقع صاحبه في القبيلة، فجاء الإسلام ليجعل الحقّ قيمة
مستقلّة عن الأشخاص، وهو ما يفسّر لاحقًا مركزية العدل في الرّسالة؛ فالقرآن
الكريم لا يجعل العدل فضيلة ثانوية، بل يأمر به حتّى في مواجهة الخصومة: ﴿وَلَا
يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ
أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. وهكذا يصبح المولد، في قراءة الإبراهيمي، امتحانًا
أخلاقيًا: هل ما زال الحقّ عندنا حقًا إذا خالف مصالحنا؟ وهل ما زلنا أتباع رسالة
الحقّ إذا طلبنا الحقّ لأنفسنا وبخلنا به على خصومنا؟ سؤالٌ لا يطرحه النّصّ
صراحة، لكنّه كامن في منطقه كلّه.
وينتقل
بعدها إلى صورة النّور: “وُلد فيها النّور الذي نسخ الظّلام”. والنّور من أكثر
الرّموز حضورًا في الخطاب القرآني والإسلامي، رمز الهداية والإيمان وانكشاف
الطّريق، غير أنّ الإبراهيمي يمنح الصّورة بعدًا حضاريًا؛ فالظّلام عنده ليس ظلام
اللّيل، بل ظلام الجهل والوثنية والظّلم والاستبداد والأنانية، والنّور لا يكتمل
بمجرّد معرفته، بل يتحقّق حين يُرى أثره في حياة النّاس. وهذه النّقطة بالغة
الأهمّية في مشروعه الإصلاحي؛ فقد كان يرى أنّ معركة الجزائر لم تكن سياسية فقط،
بل كانت أيضًا معركة في الذّاكرة واللّغة والتّعليم والدّين، وتكشف كتابات جمعية
العلماء عن تصوّر واضح للإصلاح باعتباره إحياءً للعلم والعربية والإسلام والأخلاق.
ويصبح المولد بذلك مناسبة لإحياء “ما اندثر من الحقائق والعقائد”، لأنّ النّور إذا
لم يتحوّل إلى وعيٍ وسلوك أصبح مجرّد ذكرى جميلة.
03-
التّوحيد والحرّية والتّساوي، من علاقة الإنسان بربّه إلى علاقته بأخيه:
يقول
الإبراهيمي: “وُلد فيها التّوحيد الذي أمات الوثنية”، وهذه الجملة تتجاوز معناها
العقدي المباشر؛ فالتّوحيد عنده ليس فقط أن يقول الإنسان لا إله إلا الله، بل أن
يتحرّر بها من كلّ قوّة بشرية تتّخذ لنفسها مقام الإله في حياته. وهنا يظهر
الارتباط بين التّوحيد والحرّية في النّصّ؛ فالوثنية ليست عبادة الأصنام الحجرية
فحسب، بل يمكن أن تكون وثنية اجتماعية حين يعبد الإنسان القوّة أو المال أو النّسب
أو السّلطان أو القبيلة، ومن ثمّ فإنّ التّوحيد يحرّر الإنسان من الخضوع لغير
الله. ولم يكن غريبًا أن يأتي بعد “التّوحيد” مباشرة قوله: “وُلدت فيها الحرية
التي انتقمت من العبودية”؛ فالإبراهيمي يرسم بها علاقة سببية بين التّوحيد وتحرير
الإنسان، وهي من أعمق أفكار النّصّ.
وحين
يتحدّث عن الحرّية، فهو لا يستخدم المفهوم بمعناه السّياسي الحديث فقط، بل يجعلها
تبدأ من تحرير الإنسان من العبودية النّفسية والاجتماعية؛ فالإسلام لا يكتفي عنده
بالطّقوس، لأنّ الإنسان إذا اكتفى بالصّلاة والصّيام والاحتفال ثمّ بقي مستعبدًا
لشهوة أو خوف أو ظلم أو عصبية، فقد انفصل الشّكل عن روح الرّسالة. ولهذا الوعي
أهمّية خاصّة في السّياق الجزائري الذي عاش فيه الإبراهيمي، فقد كانت جمعية
العلماء ترى أنّ إحياء الإسلام والعربية والتّعليم جزءٌ من معركة الحفاظ على
الشّخصية الجزائرية، وقد عاد الإبراهيمي من المشرق إلى الجزائر وفي ذهنه مشروع
حركة تحيي الإسلام والعربية وتنشر العلم وتبعث الأمّة، ثمّ صار لاحقًا أحد أبرز
قادة الحركة الدّينية والثّقافية فيها. فعبارة “الحرّية التي انتقمت من العبودية”
ليست زينة بلاغية، بل تحمل في خلفيتها تجربة تاريخية كاملة.
ثمّ
يقول: “ووُلد فيها التّساوي الذي قضى على الأثرة والأنانيّة”، فينتقل من علاقة
الإنسان بربّه إلى علاقته بأخيه؛ فالتّوحيد يحرّر، لكنّ الحرّية الفردية إذا لم
تصحبها أخلاق اجتماعية قد تتحوّل إلى أنانية، ولذلك يأتي التّساوي بعد الحرّية
مباشرة. فالإسلام في تصوّر الإبراهيمي لا يريد إنسانًا حرًّا لنفسه فقط، بل حرًّا
وعادلًا مع الآخرين، ويجعل القرآن الكريم معيار التّفاضل بعيدًا عن النّسب
والطّبقة والقوّة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ
وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وهو ما يفسّر دقّة اختيار كلمة
“الأثرة”؛ فالمشكلة ليست في أن يملك الإنسان شيئًا، بل في أن يجعل ذاته مركز
العالم، والإسلام كما يقدّمه الإبراهيمي يُخرج الإنسان من مركزية “أنا” إلى فضاء
“نحن”.
04-
التّآخي والرّحمة والشّجاعة:
ثمّ
يقول: “وُلد فيها التّآخي الذي أبطل البغي والعدوان”، فتكشف هذه العبارة جانبًا
آخر من شخصية الإبراهيمي، إذ لا ينظر إلى الإسلام باعتباره خلاصًا فرديًا فقط، بل
مشروعًا لبناء الجماعة، ولذلك احتلّت فكرة الوحدة والإخاء موقعًا مركزيًا في خطاب
جمعية العلماء؛ فالإبراهيمي نفسه يقرّر أنّ الدّين هو الذي “يجمع الأرواح ويؤلّف”
بينها، وأنّ الوحدة الحقيقية لا تُلتمس في الأفق الدّنيوي الضّيق، وإنّما تؤخذ من
القرآن الكريم. ويمكن بذلك قراءة المولد عند الإبراهيمي باعتباره ذاكرة جماعية؛
فالاحتفال لا يجمع النّاس حول شخص تاريخي فقط، بل يعيد تذكيرهم بالأصل الذي
يجمعهم، وهذه الوظيفة الاجتماعية للمولد تؤيّدها دراسات حديثة تناولت الطّقوس
والمدائح في المجتمع الجزائري، إذ رأت فيها وسائل لإحياء الذّاكرة الدّينية وتعزيز
الهويّة الجماعية وتثبيت روابط الانتماء، إلى جانب أبعادها الرّوحية والجمالية.
وإذا
كان ثمّة كلمة تبلغ بالنّصّ ذروته فهي كلمة “الرّحمة”: “وُلدت فيها الرّحمة التي
قضت على القسوة والجبروت وعلى البخل وآثاره”. وقد وصف القرآن الرّسالة المحمّدية
بعبارة جامعة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، وذهب
الطّبري رحمه الله في تفسيرها إلى عموم الرّحمة، فذكر أنّ الرّسول ﷺ رحمة للمؤمن
والكافر، فالمؤمن يهتدي به، وغير المؤمن دُفع عنه من العذاب الدّنيوي ما أصاب
أممًا سابقة. وهنا تبلغ قراءة الإبراهيمي لمولد النّبي ﷺ أفقًا إنسانيًا واسعًا،
فالرّحمة عنده ليست رقّة في القلب، بل نظام كامل مضادّ للقسوة والجبروت والبخل،
رحمة بالضّعيف في مواجهة القسوة، ورحمة بالمقهور في مواجهة الجبروت، ورحمة
بالمحتاج في مواجهة البخل، فتتحوّل بذلك من شعور رقيق إلى عدالة اجتماعية.
ويختم
سلسلة القيم بقوله: “ووُلدت فيها الشّجاعة التي تنصر الحقيقة وتمهّد الطريقة”،
والشّجاعة هنا ليست شجاعة السّيف وحدها، بل شجاعة الموقف؛ فالحقّ يحتاج إلى من
يحمله، والرّحمة تحتاج إلى من يحميها، والعدل يحتاج إلى من يقف في صفّه. وهذه
الفكرة شديدة الصّلة بشخصية الإبراهيمي نفسه، فقد كان خطابه الإصلاحي قائمًا على
التّعليم والبيان والمواجهة، وعاش في سياق استعماري جعل الدّفاع عن العربية
والإسلام والتّعليم عملًا ذا تبعات سياسية وثقافية، وقد أسهم في تأسيس جمعية
العلماء سنة 1931،
ثمّ تولّى قيادتها بعد وفاة ابن باديس، واستمرّ في نشاطه الدّيني والثّقافي
والوطني رغم النّفي والاعتقال والرّقابة. ولا يبدو أنّ الإبراهيمي، وهو يتحدّث عن
“الشّجاعة”، يتحدّث عن قيمة مجرّدة، بل يعرف تمامًا ما يعنيه أن تنصر الحقيقة في
زمن يصبح فيه الصّمت أسهل من الكلام.
وبعد
هذه السّلسلة كلّها يقول: “وبالإجمال وُلد فيها الإسلام وما أدراكم ما الإسلام”،
وهذه الجملة خلاصة النّصّ ومفتاحه؛ فقد بدأ بـ”مولود” وانتهى بـ”الإسلام”، بدأ
بالفرد وانتهى بالحضارة، بدأ بالحادثة وانتهى بالرّسالة، بدأ بالولادة وانتهى
بالبعث. وهذا التّحوّل هو سرّ النّصّ البلاغي والفكري معًا؛ فالإسلام عند
الإبراهيمي ليس مجموع أحكام منفصلة، بل وحدة أخلاقية متماسكة: توحيد ينتج حرية،
وحرية تنتج مساواة، ومساواة تنتج أخوّة، وأخوّة تنتج رحمة، ورحمة تحتاج إلى شجاعة
تحمي الحقّ. ولهذا لا يجوز قراءة هذه الكلمات باعتبارها مجرّد محاسن لفظية
متجاورة، فهي في منطقه سلسلة حضارية.
05-
من الطّقس إلى الرّسالة:
بعد
أن يشرح السّرّ، ينتقل الإبراهيمي إلى النّتيجة العملية: “هذه بعض الذّكريات التي
توحيها إلينا ليلة المولد النّبوي”. غير أنّ كلمة “الذّكريات” عنده لا تعني الحنين
إلى الماضي، بل هي فعلٌ من أفعال الإحياء، ولهذا يقول: “فتثير الهمم الرّواكد،
وتستفزّ العزائم الفاترة”، فيتحوّل الخطاب من التّأمل إلى التّحريض؛ ينبغي أن يكون
المولد قادرًا على إيقاظ ما مات في الإنسان، وهذا ما تفسّره العبارة التّالية:
“وتصحّح ما اندثر من الحقائق والعقائد”، فالذّاكرة الدّينية عنده ليست وعاء حفظ
للأخبار، بل وسيلة لتصحيح الوعي. وتلتقي هذه الفكرة مع التّطوّر التّاريخي للمولد
في المغرب الإسلامي، إذ تحوّل في مراحل مختلفة إلى مناسبة تجمع العلماء والفقهاء
والمدّاحين والعامّة، تُقرأ فيها السّيرة وتُلقى المواعظ وتُقام الصّدقات، بما
حوّله إلى مؤسّسة من مؤسّسات الذّاكرة الدّينية والاجتماعية، وقد بيّنت الدّراسات
الخاصّة بالمغرب الإسلامي أنّ الاحتفال انتشر تدريجيًا وأصبح في بعض البيئات وسيلة
لترسيخ الانتماء الدّيني والجماعي.
وأجمل
ما في خاتمة الإبراهيمي أنّه لا يترك المولد في المسجد، بل يدخله إلى البيت:
“أحيوا هذه الذّكريات في نفوسكم، ونفوس أبنائكم وبناتكم”، وهي جملة تكشف أنّ غايته
النّهائية ليست إقامة احتفال، بل إنتاج إنسان جديد. ولاحظوا أنّه يقول “أحيوا
الذّكريات” لا “أقيموا الاحتفالات”، والفرق بين العبارتين بليغ: إقامة الاحتفال
فعلٌ يقع في يوم، أمّا إحياء الذّكرى ففعلٌ يستمرّ في النّفس. وهنا يتّضح أنّ
للمولد عنده وظيفة تربوية؛ فالطّفل لا ينبغي أن يتعلّم أنّ النّبي ﷺ وُلد في يوم
معيّن فحسب، بل لماذا كان ميلاده حدثًا غيّر العالم، وأنّ الإسلام يعني الصّدق
والعدل والرّحمة والشّجاعة، وأنّ محبّة النّبي ﷺ ليست كلامًا يُقال بل أخلاقًا
تُعاش. ومن هنا جاءت خاتمة النّصّ طبيعية منطقية: “تحيوا ويحيوا مسلمين صالحين
مصلحين هادين إلى الحقّ مهديين به”، والكلمة الحاسمة فيها هي “مصلحين”، لأنّ
الإبراهيمي لا يريد مسلمًا صالحًا لنفسه فقط، بل صالحًا مصلحًا، وهذه ثنائية
مركزيّة في الفكر الإصلاحي الجزائري كلّه.
06-
المولد في التّراث الإسلامي، التّاريخ والجدل:
من
المفيد أن نضع كلام الإبراهيمي في سياق أوسع، حتّى لا يبدو وكأنّه يتحدّث في فراغ
تاريخي. فالاحتفال بالمولد بصورته الجماعية المنظّمة لم يكن معروفًا في عصر النّبي
ﷺ ولا في عصر الصّحابة، وإنّما تطوّرت مظاهره في عصور لاحقة، وتختلف الدّراسات في
تحديد بداياته الدّقيقة وصورته الأولى، غير أنّها تتّفق عمومًا على أنّ الاحتفال
المؤسّسي اتّخذ أشكالًا واضحة منذ العصر الفاطمي، ثمّ توسّع في القرنين السّادس
والسّابع الهجريين، واشتهر بصورة خاصّة في الموصل وأربل، ثمّ انتقل إلى بلاد
المغرب الإسلامي، حيث أخذ أبعادًا خاصّة ارتبطت بالمدائح والسّيرة والتّعليم
والإنشاد، وأصبح في بعض المدن والحواضر مناسبة ذات وظيفة دينية واجتماعية وسياسية
أيضًا. وتكشف الدّراسات الخاصّة بالجزائر أنّ الاحتفال مرّ بمراحل تاريخية مختلفة،
وأسهمت الزّوايا والعلماء في حفظ تقاليده وتطوير أشكاله.
وينبغي
هنا التّمييز بين تاريخ الاحتفال بالمولد وتاريخ محبّة النّبي ﷺ وتذكّر مولده،
فالمحبّة أقدم من الاحتفال المنظّم، وفي صحيح مسلم حديث أبي قتادة الذي سُئل فيه
النّبي ﷺ عن صيام يوم الاثنين فقال إنّه يوم وُلد فيه وأُنزل عليه فيه. وقد استثمر
علماء لاحقون هذا المعنى في النّقاش حول المولد؛ فالسّيوطي رحمه الله رأى في “حسن
المقصد في عمل المولد” أنّ اجتماع النّاس وقراءة القرآن الكريم وأخبار المولد
وإطعام الطّعام يمكن أن يكون من “البدع الحسنة” إذا خلا من المحرّمات، وربط ذلك
بتعظيم قدر النّبي ﷺ وإظهار الفرح بمولده، ونقل عن ابن حجر العسقلاني رحمه الله
تفصيلًا مهمًّا مفاده أنّ أصل الاجتماع بهذه الصّورة لم يكن منقولًا عن السّلف،
لكنّه إذا اشتمل على المحاسن واجتنب المحرّمات أمكن أن يوصف بالحسن من جهة ما
اشتمل عليه من الخير. وفي المقابل ظلّ فريق من العلماء يرى أنّ تخصيص المناسبة
باحتفال دينيّ لم يفعله النّبي ﷺ ولا الصّحابة أمرٌ محدث لا ينبغي اتّخاذه عبادة.
وهذا
الخلاف التّاريخي لا ينبغي أن يحجب القضية الأهمّ في نصّ الإبراهيمي؛ فهو لا يدخل
أصلًا في تفصيل هذا النّزاع الفقهي، بل يعيد تعريف وظيفة المناسبة، وهو اختيار
ذكيّ جدًّا، إذ لا يسأل: كيف نحتفل؟ بل يسأل: ماذا ينبغي أن يفعل بنا هذا
التّذكّر؟ وتكمن القيمة الفكرية الكبرى لنصّه في هذا الانتقال؛ فالاحتفال يمكن أن
يصبح طقسًا يتكرّر حتّى لو فقد معناه، أمّا الإبراهيمي فيريد أن يجعل المولد
مقياسًا لمقدار حضور الرّسالة في حياة المسلمين: فإذا تحدّثنا عن الحرّية فلنسأل
عن المستضعفين، وإذا تحدّثنا عن التّساوي فلنسأل عن العصبيّات، وإذا تحدّثنا عن
التّآخي فلنسأل عن أسباب التّنازع، وإذا تحدّثنا عن الرّحمة فلنسأل عن الفقراء
والمحتاجين، وإذا تحدّثنا عن الشّجاعة فلنسأل هل نملك شجاعة الدّفاع عن الحقّ.
وبهذا يتحوّل المولد من مناسبة زمنية إلى مرآة أخلاقية، هو اليوم الذي نقيس فيه
المسافة بين الإسلام الذي نحتفل به والإسلام الذي نعيشه، وهي أعمق قراءة يمكن
استخراجها من نصّه.
07-
البعد الجزائري وهندسة النّصّ:
لا
ينبغي أن نعزل النّصّ عن شخصية صاحبه وزمنه؛ فالبشير الإبراهيمي لم يكن فقيهًا
يعيش في عزلة عن التّاريخ، بل كان أحد أعلام الحركة الإصلاحية الجزائرية، ونائب
الشّيخ ابن باديس رحمه الله في تأسيس جمعية العلماء، ثمّ خلفه في قيادتها. وكان
مشروع الجمعية قائمًا على العلم والعربية والإسلام ومكارم الأخلاق، وعلى إعادة
بناء الشّخصية الجزائرية في مواجهة واقع استعماري حاول أن يفصل الجزائري عن لغته
وتاريخه وانتمائه، وهو البعد الذي يكشف سرّ كثافة ألفاظ مثل الحرّية والتّساوي
والتّآخي والرّحمة والشّجاعة والحقّ في خطابه؛ فهي ليست ألفاظًا دينية وحسب، بل
معجم أمّة تريد أن تستعيد ذاتها، وهذا ما يجعل نصّ المولد عند الإبراهيمي نصًّا
دينيًا ووطنيًا وتربويًا في الوقت نفسه، يتحدّث عن النّبي ﷺ بينما يتحدّث في العمق
عن المسلمين الذين ينبغي أن يكونوا جديرين بالانتساب إلى رسالته.
وللنّصّ
من النّاحية الأدبية بناء يستحقّ الوقوف عنده؛ فالإبراهيمي يبدأ بالنّفي “ليس
السّرّ”، ثمّ يستعمل الاستدراك “إنّما السّرّ”، ثمّ يبني سلسلة من الجمل المتوازية
التي تكرّر فعل “وُلد” حتّى يتحوّل إلى إيقاع إنشادي يشبه في أثره تتابع المدائح،
لكنّه موظّف هنا لخدمة فكرة إصلاحية لا احتفالية. ثمّ تأتي عبارة “وبالإجمال وُلد
فيها الإسلام” لتجمع السّلسلة كلّها في كلمة واحدة، وبعدها ينتقل من الخبر إلى
الأمر: “أحيوا هذه الذّكريات”، فيتحوّل الإيقاع من الاحتفاء بالماضي إلى تكليف
الحاضر، وهي الحركة الفنّية التي تمنع النّصّ من أن يكون محض خطبة احتفالية عادية.
08-
سرّ المولد هو ما يُولد فينا:
إذا
أردنا أن نردّ نصّ الإبراهيمي كلّه إلى فكرة واحدة، أمكن أن نقول إنّ المولد عنده
ليس ذكرى ميلاد النّبي ﷺ بقدر ما هو تذكير بميلاد القيم التي جاء بها؛ فالذي وُلد
في مكّة، في القراءة التّاريخية، إنسانٌ كريم من قريش، أمّا الذي وُلد في القراءة
الإبراهيمية فهو الهدى والحقّ والنّور والتّوحيد والحرّية والمساواة والأخوّة
والرّحمة والشّجاعة. ولهذا فإنّ السّؤال الحقيقي الذي يتركه النّصّ في نهاية
قراءته ليس: هل احتفلنا بالمولد؟ بل: هل وُلد شيء من هذه المعاني فينا؟ هل وُلد
فينا هدى يبدّد الضّلال، وحقّ يمحو الباطل، ونور يطرد ظلمات الجهل، وتوحيد يحرّرنا
من عبودية البشر والأهواء؟ هل وُلدت فينا حرّية ترفض المهانة، وتساوٍ يقاوم الأثرة
والعصبيّة، وتآخٍ يردّ العدوان، ورحمة تكسر قسوة القلب، وشجاعة تنصر الحقيقة حين
يكون ثمنها باهظًا؟
عند
هذه النّقطة فقط نفهم معنى خاتمة الإبراهيمي: “أحيوا هذه الذّكريات في نفوسكم،
ونفوس أبنائكم وبناتكم”؛ فهو لا يريد أن تبقى ذكرى المولد في التّقويم، بل أن
تنتقل من التّقويم إلى الضّمير، ومن الضّمير إلى السّلوك، ومن السّلوك إلى
المجتمع. وأجمل ما في نصّه أنّه لا يسمح للمولد أن ينتهي بانتهاء المجلس، بل يريد
له أن يبدأ بعد انتهائه؛ فإذا خرج النّاس من الاحتفال كما دخلوا، لم يُبعث فيهم
شيء، أمّا إذا خرجوا أكثر صدقًا وعدلًا ورحمة وشجاعة وتوحيدًا وإحساسًا
بالمسؤولية، فقد تحقّق عندئذٍ “سرّ المولد” الذي أراد البشير الإبراهيمي أن يكشفه.
وهكذا يصبح المولد في فلسفته ميلادًا متجدّدًا للإنسان المسلم، لا لأنّ النّبي ﷺ
يولد من جديد، وإنّما لأنّ رسالته يمكن أن تولد من جديد في النّفوس كلّما كادت أن
تموت، وذلك هو الفارق بين أن نتذكّر تاريخًا مضى، وأن نجعل من التّاريخ قوّة تعمل
في الحاضر.

تعليقات
إرسال تعليق