الإسرائيليات في التّراث الإسلامي
بين
التّلاقح الثّقافي وإعادة تشكيل المعرفة الدّينية
حبيب
مونسي
عضو
المجلس الأعلى للغة العربية – الجزائر
تتغيّا هذه الورقة مقاربة إشكالية "الإسرائيليات" وفق منهج تاريخي نقدي متجرّد. ينأى بنفسه عن منطق الذّود المذهبي السّجالي من جهة، ويتجاوز أوهام "نظرية المؤامرة" من جهة أخرى. والمدخل المعرفي الألزم هنا هو إقامة مَيْزٍ دقيق بين واقعتين: الأولى هي الوجود الفعلي لعناصر من الرّوافد اليهودية والمسيحية في ثنايا التّراث الإسلامي، وهو أمرٌ تشهد له شواهد التّاريخ ومرويات الإخباريين. والثّانية هي الادعاء بأنّ هذا الحضور كان ثمرة اختراق واعٍ ومشروع تخريبي متعمّد استهدف تفريغ الإسلام من محتواه العقدي وتبديله من الدّاخل. فبينما تقف الشّواهد النّصية والتّاريخية سَنَداً للواقعة الأولى، فإنّ المعطيات التّاريخية المتاحة تقصر عن إثبات الثّانية بوصفها نسقاً عاماً أو قانوناً كليّاً حاكماً للظّاهرة.
حين
ينصرف النّظر إلى "الإسرائيليات" في المدونة التّراثية، تستحوذ على
الوعي غالباً صورة نمطية مكرورة: أخبار يهودية سرت إلى مظانّ التّفسير، فتناقلها
الإخباريون والمحدّثون، حتى اختلط الصّحيح بالمنتحل، والقرآني بالكتابي، والتّاريخي
بالأسطوري. ولئن كانت هذه الصّورة تمسّ جانباً من واقع الظّاهرة في تعيّنها
المادي، فإنّها تعجز عن سبر أغوارها الإبيستمولوجية. إذ أنّ المسألة تتجاوز فكرة
"التّسرب القصصي" المحدود إلى سيرورة تاريخية ممتدة من التّفاعل الحيوي
بين الإسلام الناشئ وفضاءات الشّرق الأدنى القديم: اليهودية، والمسيحية، والسّريانية،
والفارسية، والعربية الجاهلية. وهي صيرورة أسفرت عن تداول واسع للمرويات والمفاهيم
وطرائق المحاجّة، قبل أن يُعاد صهرها وبناؤها داخل المنظومة الإسلامية المتشكّلة.
يغدو
السّؤال المعرفي الجدير بالطرح ليس: "هل دخلت الإسرائيليات؟"، بل: كيف
انتقلت هذه المادة؟ ولأيّ مسوّغ بنيوي؟ وما القنوات الاجتماعية والمعرفية التي
حملتها؟ وكيف أعاد العقل الإسلامي استثمارها وتأويلها؟ وهل كان هذا الانتقال نتاج
تلاقح عفوي فرضته بيئة العصر، أم ثمرة تدبير مقصود استهدف تحريف المعرفة
الإسلامية؟
إنّ
القراءة الفاحصة لطبقات التّاريخ تفصح عن تضافر المسارين ولكن بتفاوت بيّن في
الحجم والفاعلية. فالتّثاقف والتّناص الحضاري حقيقة عامة كاسحة، في حين يظل القول
بـ"المشروع التّخريبي المنظم" افتراضاً سجالياً يفتقر إلى السند التّوثيقي
كلّما أردنا تعميمه على مجموع التّراث.
إنّ
مصطلح "الإسرائيليات" مفهوم متأخر نسبياً في الاصطلاح التّصنيفي،
وإسقاطه آلياً على كلّ مادة وافدة ينطوي على تعسف منهجي. ففي حقل التّفسير، اصطُلح
على إطلاق اللّفظ على الأخبار المقتبسة من التقاليد الكتابية -اليهودية منها
والمسيحية- ثمّ اتسع مدلوله عند المتأخرين ليشمل رواسب الأساطير الشّعبية ومرويات
الشّرق الأدنى التي لا يُقطع بنسبتها إلى مصدر تلمودي أو مدراشي محدّد، بل قد ترتدّ
أصولها إلى البيئة العربية الجاهلية نفسها التي عاشت في جوار تلك التّقاليد وتشرّبت
نصوصها الشّفاهية.
إنّ
اختزال هذه الطبقات السّردية المتداخلة تحت لافتة "الإسرائيليات" هو نوع
من التّبسيط المخل. ومن هنا يتعين التّعامل مع المصطلح بوصفه مؤشّراً تصنيفياً
نقدياً لمصدر الرّواية، لا حكماً قيمياً أو عرقياً مسبقاً على رواتها ومضامينها.
لم
يقدم القرآن الكريم نفسه بوصفه قطيعة معرفية مع النّبوات السّالفة، بل أدرج خطابه
داخل نسق السّلسلة الإبراهيمية الممتدّة من آدم إلى عيسى عليهما السّلام. بيد أنّ
السّرد القرآني يفارق جوهرياً منطق التّدوين التّاريخي أو الحكائي. إنّه سرد ذو
طبيعة حجاجية تدبيرية، يصطفي من الواقعة ما ينهض بدلالات التّوحيد والاعتبار
والموعظة، مغفلاً التّفاصيل الهامشية التي لا تخدم القصد الهدايتي للآية.
هذا
الإيجاز القرآني أحدث ما يمكن تسميته "فراغاً سردياً" أثار فضول التّلقي
لدى الجماعة الأولى: من كان صاحب موسى؟ وما أسماء فتية الكهف؟ وما نعت الغلام
المقتول، وشكل سفينة نوح، وهيئة تابوت العهد؟ وهنا تحديداً انفتحت شهية الوعي التّاريخي
على روافد مجاورة لملء هذا الفراغ. ولما كانت المدينة المنورة والبيئات المفتوحة
تضمّ مسلمين من أصول كتابية -يبرز من أعلامهم كعب الأحبار ووهب بن منبه- فقد كان
من الطبيعي أن يستفتيهم المسلمون استئناساً بذاكرتهم القصصية لتجلية ما تركه
القرآن الكريم. وتشير الدراسات الأكاديمية المعاصرة -ومنها دراسات جامعة كامبريدج
حول إرث وهب بن منبه-إلى ضرورة إخراج هؤلاء الرّواة من "محاكمة النوايا"
وسياق الاتهام التآمري، وقراءتهم ضمن السّياق الثّقافي والاجتماعي لدولة بني أمية،
بوصفهم رواة مادة تاريخية وأصحاب ثقافة موسوعية استجابوا لحاجة مجتمعية ملحّة إلى
التّفصيل والقصص، مع ما قد يعتري نقل الرّواة عموماً من تساهل أو ولع بالغرائب.
إنّ
المأزق الإبيستمولوجي في ظاهرة الإسرائيليات لا يكمن في مبدأ التّثاقف الوافد، بل
في مسار التّحول الذي طرأ على تلقي هذه المادة. فالخطر لا ينشأ حين تُقرأ الرّواية
الإسرائيلية بوصفها خبراً تاريخياً يُستأنس به، وإنّما حين تنزاح من حيز
"الاحتمال السّردي" لتستقر في حيز "العقيدة الملزمة".
لقد
وعى نَقَدَة المفسرين هذه المعضلة فوضعوا قواعد احترازية لتطويقها. فأقروا ما وافق
أصول الشّريعة، وردّوا ما عارضها، ووقفوا عند المسكوت عنه الذي لا تثبته حجّة ولا
تنفيه قطعية، جرياً على القاعدة النّبوية في التّحديث عن بني إسرائيل. غير أنّ هذا
الضّبط المنهجي الصّارم الذي التزمه محقّقون كابن جرير الطّبري -حيث ساق الرّوايات
بأسانيدها للمساءلة لا للتّصديق المطلق، موظفاً إياها تارة للتّوضيح وتارة للنّقد
والإبطال- ما لبث أن تصدع أمام تيار الأدب الشّعبي ومجالس القصاص.
لقد
كان للقص الشّعبي منطقه السّائل الذي حوّل الرّواية عبر التّداول من خبر مظنون،
إلى موعظة، ثمّ إلى حقيقة تفسيرية، وصولاً إلى تغييب نسبها الأصلي. فأضحت الرّواية
التي ابتدأت بخبر عن أهل الكتاب تُرفع تارة إلى ابن عباس، ثمّ تبلغ ذروة الانزياح
المعرفي حين تُصاغ بصيغة الجزم النّبوي: "قال رسول الله". وهنا تكمن
الخطورة الحقيقية. إذ لا نعود أمام تفاعل ثقافي بريء، بل أمام اختلال في جهاز
إنتاج المعرفة الدّينية وأدوات استنباطها.
يقتضي
التّدقيق المنهجي تفكيك الحقول التّراثية التي ارتحلت فيها هذه المادة، فليست
الإسرائيليات كلّها من جنس الحديث، ولا يصحّ الخلط بين الرّواية الموقوفة
والمرفوعة لمجرد ورودها في كتب الأثر. ومن هنا تجلّت صرامة المحدثين في نقد
الأسانيد مقارنة بتسامح المفسرين والإخباريين.
أمّا
في رحاب الأدب، فقد كانت الأبواب مشرعة بغير قيود. إذ وجد التّراث الكتابي
والغنوصي والأدب المنحول (pseudepigrapha) مستقراً خصباً في كتب "قصص الأنبياء"، والتّاريخ،
وعجائب المخلوقات، والمواعظ والسيَر. غير أنّ هذا الانفتاح لم يكن استنساخاً
حرفياً أعمى، بل كان ضرباً من "إعادة التّدوير المعرفي" للموروث
المشترك، يُجرّد فيه النّص الوافد من حمولته اللاّهوتية الأصلية ليُلبس دلالات
تلائم التّصور الإسلامي العام.
وعلى
النّقيض من ذلك، ينهض حقل "علم الكلام" بوصفه فضاءً مستقلاً لا صلة له
بالإسرائيليات بمفهومها القصصي الإخباري. إنّ علم الكلام لم يتأسّس على حكايات الرّواة،
بل على أدوات النّظر العقلي وقواعد المحاجّة في أصول التّوحيد، والصّفات، والجبر
والاختيار، وخلق القرآن. ومع ذلك، فإن هذا العلم لم ينشأ في فراغ أيديولوجي، بل
تشكّل في بيئة مشبعة بالسّجالات اللاّهوتية السّريانية والمسيحية في حواضر الشّام
والعراق.
إنّ استعارة المتكلّم المسلم
لآلية جدلية سريانية أو منطقية أرسطية لم تجعل من فكره فكراً مسيحياً أو يونانياً،
كما أنّ استخدام المعتزلة للأدوات العقلية لم يسلخهم عن أصلهم الإسلامي. فالأداة
الجدلية تابعة للقصد العقدي الذي تُسخّر لأجله، والتّفاعل الفكري لا يعني بحالٍ
التّبعية أو التّلاشي.
لقد
كشفت التّحقيقات التّاريخية المعاصرة -لا سيما أبحاث معهد الدّراسات المتقدّمة في
برينستون حول التّيارات الفكرية الوسيطة- أنّ حركة الفكر في دار الإسلام لم تكن
ذات مسار أحادي يتّجه من التّراث الكتابي نحو الإسلام فحسب، بل كانت شبكة معقّدة
من التّفاعل المتبادل. ففي ظل الحضارة العباسية، عَرَّب الفكرُ اليهودي نفسه
واستعار لاهوتُه مناهج المتكلّمين المسلمين، حتى وُجدت فِرق يهودية (كالقرائين)
تبنت أصول الاعتزال الإسلامي في التّوحيد والعدل. لقد تحول العالم الإسلامي إلى
"سوق فكرية مشتركة" تتداول المفاهيم وتتلاقح فيها الرّؤى خارج إطار
الوصاية أو التّبعية.
إزاء
هذا المشهد المتراكب، تتهافت دعوى "المؤامرة الجماعية المنظّمة" الهادفة
إلى تقويض الإسلام من داخله. إذ إنّ دعوى كهذه تقتضي تاريخياً توافر أدلة وثائقية،
وشبكات سرية ذات قيادة مركزية، وتواطؤاً بين الرّواة، وخططاً زمنية منسّقة، وهو ما
تكذبه طبيعة المادة التّراثية التي تعجُّ بالاختلاف والتّناقض والتّمحيص والنّقد
المتبادل بين أئمة الجرح والتّعديل. نعم، لا يُنكر وجود دوافع فردية عند بعض الوضّاعين
الذين اختلقوا المرويات لانتصار مذهبي، أو تكسّب قصصي، أو استجابة لنزعة الإغراب.
غير أنّ نقل هذه الحالات الفردية إلى مصاف "المؤامرة الكلّية" هو ارتهان
للمخيال السّجالي لا للتّحقيق العلمي.
إنّ
الأثر التّوجيهي قد يتحقّق بغير مؤامرة. فالفكرة تسري في النّسيج الثّقافي بالعدوى
والتّداول، حتى إذا ما ألِفها اللّسان وتناقلتها القرون استحالت إلى جزء من البنية
الذّهنية للجماعة، دون أن يقصد أحد أعيانها تدبير ذلك عمداً.
تستدعي
النّزاهة العلمية التّمييز الصّارم بين ورود قصص الأنبياء في القرآن الكريم، وبين
ما لحق به من إسرائيليات في مراحل التّفسير اللاّحقة. إنّ القرآن الطريم لا يتعامل
مع التّراث الإبراهيمي بوصفه مادة منقولة أو مقتبسة، بل بوصفه مهيمناً ومصحّحاً
ومستأنفاً لبنائها الدّيني داخل رؤيته التّوحيدية الخالصة.
وكما
ينبه المستشرق "مايكل بريغيل"، فإنّ مقولة "التّأثير اليهودي في
القرآن" نشأت في أصلها داخل الخطاب السّجالي الاستشراقي الكلاسيكي المتأثر
بجدالات العصور الوسطى ضد الإسلام. إنّ التّشابه بين النص القرآني وبعض التّقاليد
السّابقة ليس دليلاً كافياً على "الاقتباس السّاذج". إذ يتّسع الأمر
لفرضيات علمية متعدّدة، منها صدور النّصين عن أصل ديني مشترك، أو استدعاء القرآن
للذّاكرة الشّفاهية المتداولة في بلاد العرب ليعيد توجيهها معرفياً وأخلاقياً، وهو
ما يباعد بين البناء القرآني الأصيل وبين الرّكام السّردي الذي تكدس في كتب التّفسير
لاحقاً لملء التّفاصيل والجزئيات.
ومن
ثمّ يغدو واجباً تجاوز الموقفين الحدّيين اللّذين وُوجهت بهما الإسرائيليات: موقف
"القبول الشّامل" الذي يضفي القداسة على كلّ ما سوّدته بطون الكتب
القديمة، وموقف "الرّفض الحدي المذعور" الذي يُسقط القيمة التّاريخية
والمعرفية لكلّ مادة انحدرت من أصل كتابي.
إنّ
البديل المنهجي هو إخضاع هذا الرّكام لـ "نقد طبقي دقيق"، يميز
بين:
- طبقة الشّاهد
المصدِّق: وهي ما وافق أصول القرآن الكريم
الصّريحة ودلائل السّنن الثابتة.
- طبقة المسكوت
عنه: وهي الحكايات التي لا تعارض أصلاً
ولا تبني حكماً، وموقعها الاستئناس القصصي دون القطع الدّيني.
- طبقة المردود
المتهافت: وهي ما ناقض أصول التّوحيد أو
عصمة الأنبياء، وحقها الرّد والإبطال.
- طبقة الأساطير
المنتحلة: وهي الرّوايات التي تنطق علامات
الوضع والاختلاق في متونها وظروف رواتها، مما يستوجب الكشف عن سياقاتها
الاجتماعية والمذهبية.
- طبقة المقارنة
النّصية: وهي المادة التي يمكن ردُّها
بأمانة إلى مظانّها التّلمودية أو المدراشية أو السّريانية المقابلة، لغرض
رصد مسار التّناص وتاريخية التّحول الدّلالي.
أخيرا
فإنّ إعادة قراءة الإسرائيليات لا تبدأ من المنطلق السّجالي الهش: "من تآمر
لإفساد الدّين؟"، بل تنهض على تساؤلات البحث الفيلولوجي والتّاريخي الرّصين:
كيف ارتحل النّص؟ ومن حمل اللّفظ؟ وما سياقات تلقيه الأولى؟ وكيف تدرج المتن من
صيغة الخبر التّاريخي المروي إلى مرتبة المسلّمة الاعتقادية المستقرة؟
عند
هذا المنعطف النّقدي وحده، يتحرّر العقل من أسر التّسطيح، ونتمكّن من التّمييز الدّقيق
بين التّثاقف الإنساني، وإعادة البناء الدّلالي، والتّوظيف المذهبي، والتّلفيق الطّارئ.
لتغدو دراسة الإسرائيليات مدخلاً لفهم آليات تشكل الذّاكرة التّراثية، واستعادةً
لوعي الأمّة بمراتب نصوصها وحدود معرفتها الدّينية.

تعليقات
إرسال تعليق