ما
الإبداع؟
من الوظيفة
إلى الوجود.
قراءة
تمهيدية في كتاب: "من قتل الإبداع؟" لأندرو ڤرانت وجايا ڤرانت.
حبيب مونسي
عضو
المجلس الأعلى للغة العربية - الجزائر
1. قصور التّعريف المتداول:
حين
يُسأل أغلبنا: ما الإبداع؟ يأتي الجواب جاهزاً: هو استخدام الخيال لابتكار أفكار
جديدة تتّسم بالأصالة والفائدة. وهذا تعريف صحيح فيما يصفه، لكنّه كأغلب التّعريفات
الإجرائية يصف الظّاهرة من الخارج دون أن يقترب من جوهرها. فهو تعريف يصلح لتقييم
منتج بعد اكتماله -هل هو جديد؟ هل هو أصيل؟ هل هو نافع؟- لكنّه يعجز عن أن يخبرنا
بأيّ شيء عن اللّحظة التي يُولد فيها الإبداع، أو عن نوع الإنسان الذي يسمح لنفسه
بأن يُبدع أصلاً. وأخطر ما في هذا التّعريف أنّه يضع "الفائدة" شرطاً
ملازماً للإبداع، وكأنّ كلّ فعل خياليّ لا يفضي إلى نفع عمليّ لا يستحقّ اسم
الإبداع. وهذا افتراض يستحقّ مساءلة فلسفية جادّة، إذ يُختزل الإبداع فيه إلى
وظيفة اقتصادية أو تقنيّة، بينما نعرف من تاريخ الفنّ، والشّعر، والفكر، أنّ
كثيراً ممّا نعدّه اليوم قمّة الإبداع الإنسانيّ لم يكن، في لحظة ولادته،
"نافعاً" بالمعنى العمليّ المباشر.
2.
الإبداع
بوصفه ملكة راسخة:
يقترح
أندرو وڤايا ڤرانت في كتابهما تصحيحاً مهمّاً لهذا القصور، حين يصفان الإبداع
بأنّه "توجّه" لا "عمل". أي أنّه طريقة في التّفكير أقرب إلى
نمط وجود مستقرّ منها إلى إنجاز منعزل يُحقَّق مرّة ثمّ يُطوى. وهذا التّمييز، وإن
صيغ بلغة إدارية معاصرة، يُعيدنا في الحقيقة إلى تمييز فلسفيّ عريق عرفه أرسطو حين
فرّق بين الفعل العارض والملكة الرّاسخة (الهيئة الثّابتة). فالفضيلة عنده لا
تتحقّق بفعل خيّر واحد، بل بتكرار الفعل حتى يصير طبعاً متأصّلاً في النّفس، بحيث
يفعل الفاضل الخير دون أن يستحضر كلّ مرّة حجّة تسوّغه. وكذلك الإبداع إن صحّ هذا
القياس، ليس لحظة عبقرية عابرة تُومض ثمّ تنطفئ، بل ملكة تُصقَل بالممارسة حتى
تصبح الطّريقة التي يتعامل بها صاحبها مع كلّ موقف يعترضه، صغيراً كان أم كبيراً.
3.
الإبداع
بوصفه ممارسة للحرية:
يذهب
الكتاب إلى أبعد من ذلك حين يصف الإبداع بأنّه "استجابة أساسية للحياة".
فالحياة، من هذا المنظور هي سلسلة متلاحقة من المفترقات، يقف الإنسان عند كلّ واحد
منها بين خيارين: أن يواصل السّير في الطريق المطروق تسليماً للعادة، أو أن يشقّ
لنفسه طريقاً مختلفاً. وهذا تعريف وجوديّ بامتياز وإن لم يُصرَّح فيه بهذه الصفة.
فهو قريب جدّاً ممّا ذهبت إليه الفلسفة الوجودية حين جعلت الإنسان كائناً يُعرَّف
باختياراته لا بجوهر سابق يُحدّده مسبقاً حين رأت في كلّ اختيار حقيقيّ ممارسة
للحرّية وليس تفضيلا عابرا. إنّ الإبداع ليس ترفاً معرفياً يُضاف إلى الحياة، بل
هو الشّكل الذي تتّخذه الحرّية الإنسانية كلّما وقفت أمام مفترق طرق ورفضت أن يُختزَل
مسارها إلى تكرار.
4.
لماذا
يبدع الطفل بسهولة أكبر من الحكيم؟
ومن
أطرف ما يورده الكتاب في وصف طبيعة الإبداع، فكرة "العقل البريء". ذلك
العقل الذي يفكّر ويشعر كما يفعل الطّفل، والمستعدّ لتحمّل المخاطرة والتّعرض
للنقد دون أن يعيقه ذلك عن السّؤال والمحاولة. وهذه الملاحظة على بساطتها الظّاهرة،
تحمل مفارقة عميقة تستحقّ التّأمل: كيف يكون الطّفل، الذي لا يملك من المعرفة إلاّ
أقلّها، أقدر على الإبداع من الخبير الذي يملك منها أكثرها؟ والجواب، أنّ المعرفة
المتراكمة حين تتحوّل إلى يقين مغلق، تصبح عبئاً على التّخيل لا رافداً له. فالطّفل
يسأل "لماذا؟" دون خجل لأنّه لم يتعلّم بعد أنّ بعض الأسئلة "غير
لائقة"، بينما يكفّ الكبير عن كثير من الأسئلة لأنّه تعلّم عبر سنوات من التّنشئة
أنّ الفضول قد يُكلّفه الإحراج. وليس هذا دعوة إلى الارتداد إلى الجهل بل دعوة إلى
استرجاع تلك الجرأة الأولى على السّؤال مع الاحتفاظ بكلّ ما راكمه العقل من نضج.
5.
لماذا
لا يكفي أن نتخيّل؟
ويحرص
الكتاب على التّمييز بين الإبداع بوصفه تفكيراً هادئاً بلا فعل، وبين الابتكار
بوصفه تطبيقاً عملياً لذلك التّفكير. فالإبداع الذي لا يتجاوز حدود الخيال إلى فعل
ملموس يظلّ مهما بلغت روعته إمكاناً معلّقاً لم يتحقّق بعد. وهذا التمييز يضع
الإبداع في مصافّ الفضائل العملية لا الفضائل النّظرية وحدها. فمن يكتفي بأن يحلم
بحلول للمشكلات دون أن يجرّب واحداً منها على الأقلّ يمارس ترفاً ذهنياً لا
إبداعاً بالمعنى الكامل للكلمة. وهذا ما يفسّر جزئياً لماذا يبدو أصحاب المهن
العملية أحياناً أكثر قدرة على الابتكار من أصحاب النّظريات المجرّدة. ليس لأنّهم
أذكى بل لأنّهم مضطرّون بحكم عملهم اليوميّ إلى ترجمة أفكارهم إلى أفعال قابلة
للاختبار.
6.
الإبداع
صدى لفعل الإيجاد الأوّل:
إذا
انتقلنا من التّعريف الغربيّ إلى ما يمكن أن تضيفه اللّغة العربية نفسها لفهم هذا
المفهوم، وجدنا أنّ كلمة "إبداع" تحمل في جذرها دلالة أعمق ممّا يوحي به
استعمالها المعاصر. فـ"البدع" في أصل اللّغة هو إيجاد الشيء على غير
مثال سابق وليس تحسينه أو تطويره. ومن هذا الجذر جاء اسم الله "البديع"،
في قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: 117].
أي الذي أوجدهما من غير مثال سبقهما ولا مادّة تقدّمتهما. وهذا يمنح الكلمة
العربية بُعداً لا نجده في مقابلاتها الأجنبية. فحين نصف إنساناً بأنّه
"مبدع"، فإنّنا -من حيث لا نشعر غالباً- نصفه بصفة مشتقّة من صفة إلهية،
وإن كانت المسافة شاسعة بين إيجاد مطلق من عدم وإيجاد نسبيّ يعيد ترتيب عناصر
موجودة أصلاً في تركيب جديد لم يسبق إليه أحد.
ولعلّ
في هذا التّذكير ما يمنح الإبداع الإنسانيّ وقاراً لم يعطه إياه التّعريف التّقني
المجرّد الذي يحصره في معادلة "الخيال + الجدّة + الفائدة". فالإبداع من
هذه الزّاوية ليس مهارة تُكتسب بالتّدريب فحسب، بل استعادة خافتة -على قدر الإنسان
المحدود- لتلك القدرة الأصيلة على الإتيان بما لم يكن، والتي جُبِل عليها الإنسان
يوم استُخلِف في الأرض ليعمرها لا ليكرّر ما وجد عليها فحسب.
7.
نحو
تعريف جامع
إذا
حاولنا أن نجمع خيوط هذه القراءة في تعريف واحد، أمكننا أن نقول: الإبداع ليس
مهارة من بين مهارات أخرى تُقاس بمعيار النّفع وحده، بل هو توجّه وجوديّ راسخ
يمارس به الإنسان حرّيته عند كلّ مفترق طريق، مستعيداً جرأة السّؤال التي عرفها
طفلاً، ومترجماً تخيّله إلى فعل يُختبَر في العالم ولا يظلّ حبيس الذّهن، إنّ الإبداع
البشري -على تواضعه- سيظل صدى لتلك الملكة الأولى التي بها أوجَد الإنسانُ نفسَه
في التّاريخ حين لم يكتفِ بأن يكون كما وُجِد من قبل وسعى إلى أن يكون دائماً على
غير مثال سابق.

تعليقات
إرسال تعليق