التخطي إلى المحتوى الرئيسي

طرق إحياء الإبداع. قراءة نقدية في كتاب "من قتل الإبداع؟" ل "أندرو ڤرانت" و"ڤايا ڤرانت".

 طرق إحياء الإبداع.                                                                                 

قراءة نقدية في كتاب "من قتل الإبداع؟"

ل "أندرو ڤرانت" و"ڤايا ڤرانت".

                                                                                                                                                                               حبيب مونسي

                                                                                                                                  عضو المجلس الأعلى للّغة العربية - الجزائر

1.     الإحياء:

 ليس عكس القتل:

قد يُظنُّ، بعد الوقوف على قتلة الإبداع السّبعة ([1])، أنّ إحياءه لا يحتاج أكثر من عكس الاتجاه من خلال إزالة القمع فيحلّ محلّه التّحرر، وفكّ التّقييد فتظهر المبادرة، وهكذا. غير أنّ أندرو وڤايا ڤرانت ينبّهان، في القسم الثّاني من كتابهما، إلى أنّ الأمر أعقد من ذلك. فالإحياء ليس ردّ فعل سلبيّ يعقب زوال الخطر، بل فعل إيجابيّ مستقلّ، له مراحله ومنطقه الخاصّ المبنيّ على: التّحرر، فالمبادرة، فالتّحفيز، فالتّحول. وهذا فارق دقيق يستحقّ التّوقف عنده فلسفياً.  فأن تُزال العوائقُ عن طريقٍ ليس معناه أن يسير عليه النّاس هونا. فغياب القاتل لا يصنع وحده حياة الإبداع، كما أنّ غياب المرض لا يصنع وحده صحّة الإحياء، وسيكون "إحياء الإبداع" مشروعا قائما بذاته، وليس أثرا تلقائيّا لمحاكمة القتلة.

2.     التّحرر:

 حين يستعيد السّؤال براءته الأولى.

تبدأ رحلة الإحياء باستراتيجيتين متلازمتين ألا وهما: غرس الفضول، وتقبّل الغموض. وقد يبدو الفضول أمراً بديهياً لا يستحقّ أن يُصنَّف استراتيجية، غير أنّ الأمر مختلف حين نتذكّر أنّ أنظمة التّعليم والعمل، تدرّب الإنسان منذ صغره على البحث عن الجواب الصّحيح لا على صياغة السّؤال الجيّد. والفضول، في جوهره الفلسفي، ليس رغبة في المعرفة بقدر ما هو قبول بالجهل المؤقّت. إذ لا يسأل الإنسان سؤالاً حقيقياً إلاّ حين يقرّ أنّه لا يعرف، وهذا إقرار يصعب على من تعوّد أن يُقاس بمقدار ما يحفظ لا بمقدار ما يتساءل.

أمّا تقبّل الغموض فيذهب إلى أبعد من ذلك. فهو دعوة إلى السّكن -ولو مؤقتاً- في منطقة لا يُحسم فيها التّناقض بين فكرتين متعارضتين. فبدل استعجال حلّ يريح الذّهن لكنّه يُفْقِر الفكرة. وهذا بعينه ما تعرفه العقول التي مارست التّأويل والتّفسير من الدّاخل. فالنصّ العظيم -أيّ نصّ عظيم- لا يُسلَّم لقارئه معناه دفعة واحدة، بل يفتح أمامه احتمالات متجاورة، وعلى القارئ أن يتحمّل هذا التّعدد بدل الهروب منه إلى قراءة واحدة مطمئنة. فالغموض هنا ليس عيباً في الفكرة، بل هو الحيّز الذي تتنفّس فيه الفكرة قبل أن تتصلّب.

3.     المبادرة:

إطلاق الخيال دون إهمال المنطق.

في المرحلة الثّانية، يقترح الكتاب استراتيجيتين: إطلاق العنان للخيال، واستخدام شقّي المخّ معاً، أي الجانب التّحليليّ المنطقي إلى جانب الجانب الحدسيّ الشّمولي. وهذا اقتراح يستحقّ وقفة أعمق من ظاهره التّقني. فالخيال، في الفكر الفلسفي ليس زخرفاً يُضاف إلى التّفكير الجادّ، بل هو الملكة التي تصنع الممكن قبل أن يتحقّق، والتي بها يتصوّر الإنسان ما لم يوجد حتى يسعى إلى إيجاده. وحين يُنظر إلى الخيال بوصفه ترفاً فنّياً منفصلاً عن جدّية العمل والفكر، يُحكَم على التّفكير كلّه بالعقم. لأنّ المنطق وحده -مهما بلغت دقّته- لا يبتكر احتمالات جديدة، بل ينظّم ما هو موجود أصلاً. والابتكار الحقيقي يولد من التقاء القدرتين معاً: خيال يقترح، ومنطق يمحّص.

ولعلّ أطرف مثال على هذا الالتقاء ما يُروى عن مهندس يعمل في شركة "شل". إذ لاحظ ابنه الصّغير يشرب حليباً مخفوقاً بماصّة مرنة مقلوبة كي يصل إلى آخر قطرة في الكوب، فألهمه هذا المشهد البسيط فكرة مثقاب جديد لاستخراج النّفط من الأماكن التي يصعب الوصول إليها. وما يستحقّ التأمّل في هذه الحادثة ليس طرافتها فحسب، بل أنّها تكشف كيف يمكن لملاحظة عابرة، لا تمتّ بصلة ظاهرة إلى مجال العمل، أن تتحوّل -حين يلتقي الخيال بالتّحليل- إلى حلّ هندسيّ دقيق. وهذا هو بالضّبط ما تعنيه "البُعدية" التي ينصح بها خبراء تصميم أماكن العمل: أن يُفسَح للذّهن مجال الشّرود قليلاً عن مسار العمل المباشر، لا لينصرف عنه، بل ليعود إليه بزاوية نظر جديدة.

4.     التّحفيز:

الشّغف وإعادة قراءة المفاهيم.

تجمع المرحلة الثّالثة بين الشّغف وإعادة صياغة المفاهيم الشّائعة، وهما استراتيجيتان متكاملتان أكثر ممّا يبدو للوهلة الأولى. فالشّغف ليس انفعالا عابرا يرافق الحماس المؤقّت، بل هو، بالمعنى الوجوديّ العميق، التزام الذّات بمعنى تراه جديراً بأن تُستنفَد الطّاقة من أجله. وهو ما يمنح صاحبه القدرة على تحمّل الفشل المتكرّر الذي يُلازم أيّ محاولة إبداعية جادّة، لأنّ الفشل، عند صاحب الشّغف، جزء من الطّريق وليس نهاية له.

أمّا إعادة صياغة المفاهيم الشّائعة، فهي في جوهرها عملية تحليل خطاب قبل أن تكون عملية ابتكار بالمعنى التّقني. فكلّ مفهوم راسخ -سواء كان مصطلحاً إدارياً، أو حكماً اجتماعياً، أو قناعة شخصية- إنّما تشكّل عبر تاريخ من الاستعمال أضفى عليه هالة من البداهة تحجب عن الأذهان أنّه في الأصل اختيار من بين اختيارات ممكنة. وحين يعيد المرء تفكيك هذا المفهوم إلى عناصره الأولى، ويسأل: لماذا صار هذا المعنى هو المعنى المتّفق عليه دون سواه؟ فإنّه يستعيد لنفسه إمكانية إعادة تركيبه على نحو مختلف. وهذه -في تقديري- هي أقرب استراتيجيات الكتاب إلى صميم العمل الفكري والفلسفي. فما فعله كبار المجدّدين عبر التّاريخ، في كلّ حقل، لم يكن اختراع مفاهيم من عدم، بل إعادة قراءة مفاهيم قديمة قراءة تُخرجها من سياقها المتحجّر إلى سياق جديد يمنحها حياة أخرى.

5.     التّحوّل:

التّفاؤل، موقفاً لا مزاجاً.

تُختتم رحلة الإحياء باستراتيجيتين أخيريين: استكشاف مسارات مختلفة، وتبنّي التّفاؤل. والمسارات المختلفة هنا لا تعني بالضّرورة القفز إلى حلول غريبة لمجرّد الغرابة، بل الإقرار بأنّ الطّريق المطروقة ليس هو الطّريق الوحيد، وأنّ كثيراً من القفزات النّوعية في الكفاءة والنّتائج تحدث حين يُسمَح للفكر بأن يغادر "الصّندوق" ولو خطوة واحدة.

أمّا التّفاؤل، بحسب هذا الفهم، فهو نقيض التّشاؤم الذي يتحوّل إلى عجز مكتسب. لكنّه ليس تفاؤلاً ساذجاً يتجاهل الصّعوبات، بل هو موقف يُنظَر فيه إلى الفشل والعقبة بوصفهما فرصة للتعلّم لا سبباً للاستسلام. وهذا التّمييز جوهري: فبينما يفترض التّشاؤم أنّ العالم مغلق على احتمال واحد هو الأسوأ، يفترض التّفاؤل النّاضج أنّ العالم مفتوح على احتمالات متعدّدة، وأنّ موقع الإنسان فيها ليس موقع المتفرّج المحكوم عليه، بل موقع الفاعل الذي يملك دائماً خطوة تالية يجرّبها.

6.     الممكن المفتوح:

ليست هناك أماكن محرّمة على الإبداع.

من أطرف ما يكشفه الكتاب أنّ أغلب النّاس، حين يُسألون عن الأماكن التي ينبغي أن يُقصى عن  ساحتها الإبداع، فيذكرون قسم المحاسبة والمالية أوّلاً، باعتباره فضاء الأرقام الجافّة الذي لا مكان فيه للخيال. غير أنّ المؤلفين، حين واجها بهذا الرأي مجموعة من المراقبين الماليين في إحدى سلاسل الفنادق الكبرى، وجدا إجابة مغايرة تماماً: فقد أوضح أحدهم أنّهم كفّوا منذ سنوات عن النّظر إلى أنفسهم بوصفهم "آلات حاسبة"، وباتوا يقدّمون أنفسهم شركاء استراتيجيين في صناعة القرار. وهذا مثال دالّ على أنّ قتل الإبداع أو إحياءه ليس صفة لصيقة بمكان بعينه، بل هو صفة لصيقة ب"ثقافة العمل" داخل ذلك المكان. فالقسم نفسه يمكن أن يكون بؤرة اختناق أو مستنبتاً للأفكار، تبعاً لما يُسمح به فيه من سؤال واعتراض.

وليس عبثاً أن تظلّ الكافيتريا وأروقة الاستراحة، في تجربة كثير من المؤسّسات، أخصب من قاعات الاجتماعات الرّسمية. فحيث يغيب الحرص على الشّكل الرّسمي، يجرؤ النّاس على قول ما لا يجرؤون على قوله أمام طاولة الاجتماع. ولعلّه من هذا الباب فُهم أن تصمّم بعض شركات الابتكار الكبرى، مثل "آيديو"، مكاتبَها على نحو استوديوهات مفتوحة تُحيط بها غرف المشاريع، وأن تمنح شركة أخرى مهندسيها خُمس وقتهم لينصرفوا فيه إلى ما يشاؤون من أفكار، بلا إلزام بنتيجة فورية. إذ من تلك المساحة غير المُراقَبة عن كثب خرجت ابتكارات لم تكن لتخرج من جدول عمل مضغوط. وفي المقابل، ليس غريباً أن نجد خبيراً إدارياً معروفاً يرفض عمداً أكثر من نصف طلبات وقته، ليحمي -بذلك الرّفض- المساحة الذّهنية التي يحتاجها التّفكير المبتكر من الازدحام.

7.     الاجتهاد:

إبداعاً مشروعاً.

وإذا كانت القراءة السابقة قد وقفت عند التّقاطع اللّغوي بين "الإبداع" و"البدعة" في تراثنا، وما قد يحمله هذا التّقاطع من إرث نفسيّ يجعل الخروج عن المألوف مثار ريبة، فإنّ الإنصاف يقتضي أن نستحضر هنا المفهوم الذي طوّرته الثّقافة نفسها لتنظيم علاقتها بالتّجديد دون قطيعة مع أصولها، وهو مفهوم "الاجتهاد". فالاجتهاد، في تعريفه الدّقيق، ليس اتّباعاً حرفياً لما سبق، ولا خروجاً كاملاً عنه، بل هو بذل الجهد الفكريّ الأقصى للوصول إلى فهم جديد يستجيب لواقع متجدّد، مسترشداً بأصول ثابتة، ومنفتحاً في الوقت نفسه على اجتهادات مختلفة قد تتعدّد وتتنوّع دون أن يُحكَم على أحدها وحده بالصّواب المطلق. وهذا إذا تأمّلناه جيّداً، نموذج أصيل لما تدعو إليه استراتيجيتا "تقبّل الغموض" و"إعادة صياغة المفاهيم". إذ يعلّمنا تراثنا الفكريّ أنّ التّجديد المنضبط ليس غريباً عنّا نستعيره من ثقافة أخرى، بل هو أداة عرفتها عقولنا الكبرى حين احتاجت إلى التّوفيق بين الثّبات والحركة.

ولعلّ أعمق ما يمكن أن نخرج به من هاتين القراءتين معاً، أنّ إحياء الإبداع لا يبدأ بخطّة عمل مؤسّسية، وإن كانت الخطط مفيدة، بل يبدأ باسترجاع الدّهشة التي وُلد بها كلّ إنسان قبل أن يتعلّم كيف يخافها. فمن استعاد قدرته على أن يسأل بلا خجل، وأن يتحمّل الغموض بلا استعجال، وأن يُخضع شغفه للتّجربة بدل أن يُخضع التّجربة لخوفه، فقد بدأ فعلاً طريق الإحياء، أياً كان المكتب الذي يعمل فيه، وأياً كان القسم الذي يبدو، في ظاهره، أبعد الأماكن عن الإبداع.



 



[1] - أنظر المقال: طرق قتل الإبداع؟ قراءة نقدية في كتاب "من قتل الإبداع؟" ل "أندرو ڤرانت" و"ڤايا ڤرانت".  https://aikdelfarid.blogspot.com/2026/09/blog-post_13.html

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التعبير والتجريد في الشعر الحديث.. بقلم : حبيب مونسي

  كيف كان الشعر العربي..وكيف أصبح؟ ما هي مشكلته اليوم؟ التعبير والتواصل.. التجريد والاغتراب؟ كيف ينظر النقد إلى هذه المعضلة؟ .. ما المخرج إذا؟

التمثيل في القرآن الكريم.

تتناول هذه المداخلة التمثيل في القرآن الكريم باعتباره أسلوبا مشهديا لتقريب المعنى وتجسيده أمام القارئ كما تبين دور التمثيل في فتح الدلالة على آفاق تأويلية متعددة.

نظرية التلقي.. رؤية فلسفية أم منهج؟؟ كيف فهمناها؟؟ بقلم : حبيب مونسي

كثيرا ما صرنا نلهج اليوم بشيء يسمى نظرية التلقي .. ويسعى كثيرا من طلبة الجامعات إلى التقاط هذا العنوان ليكون شارة في دراساتهم.. لكن هل فعلا نعي خطورة ما نقدم عليه؟؟ هل فعلا فهمنا المراد منها؟؟ أم أننا دوما نجري وراء مسميات فارغة نزين بها لوحاتنا البحثية.؟؟

أحاديث في النقد والأدب والفكر..محمولات الألفاظ الثقافية....الحلقة 04.

تتناول هذه الحلقة الحديث عن المحمولات الثقافية التي يكتنزها اللفظ والتي تتراكم فيه عبر الازمنة والاستعمالات فتكون بمثابة المرجع الثقافي والمعرفي الذي يحيل عليه اللفظ. وحينما يستعمل الأديب الألفاظ إنما يريد استثمار تلك المحمولات لترفد المقاصد التي يرومها والمرامي التي يرد للمعنى أن ينفتح عليها.. كما أنها تدفع القارئ إلى تحرك ثرائها لإنتاج المعنى وتحيين النص قراءة وتلقيا..

نقرأ لنكتب أم نكتب لنقرأ؟هل بيننا وبين الغرب في هذا من اختلاف؟ بقلم : حبيب مونسي

هل نقرأ لنكتب؟ أم نكتب لنقرأ؟ ما الفرق بين الوضعيتين؟ هل تقديم القراءة على الكتابة يغير من وضعها؟ هل تأخير الكتابة على القراءة يكشف جديدا في العملية الإبداعية؟ لماذا لا يرى الغرب من وجود للعالم إلا داخل الكتابة؟ ولماذا نراه خارجها؟ هل هذا الفهم يفرض علينا أن نعيد النظر في نظرياتنا النقدية الحداثية؟

حوار حول رواية: مقامات الذاكرة المنسية. مع حبيب مونسي. بقلم : تقار فوزية

مقامات الذاكرة المنسية، الرواية الماقبل الأخير للروائي الناقد الأستاذ حبيب مونسي والتي حظيت بعدد من الدراسات الأكاديمية- رسائل ماجستير ودكتوراه .  إنها الرواية التي حاولت أن لا تشتغل بأساليب السرد الغربية التي شاعت في الكتابات الجديدة،