الإبداع ضرورة حضارية.
حين
يصبح التجديد شرط البقاء.
المقال الثّالث في قراءة "من قتل
الإبداع؟"
عضو
المجلس الأعلى للغة العربية - الجزائر
1.
من
مسألة فردية إلى مسألة حضارية:
وقفت
القراءتان السّابقتان عند الإبداع بوصفه شأناً فردياً. فرداً يُقتل فيه الفضول أو
يُحيا، ومؤسّسة تُخنق فيها الأفكار أو تُطلق سراحها. غير أنّ "أندرو وجايا ڤرانت"
ينبّهان في أكثر من موضع من كتابهما، إلى أنّ الرّهان أكبر من ذلك بكثير. فالإبداع
في تصوّرهما ليس مهارة تُحسّن أداء الفرد أو ربحية الشّركة فحسب، بل هو الشّرط
الذي تتوقّف عليه قدرة المجتمعات والحضارات ذاتها على الاستمرار. وهذا انتقال
نوعيّ في مستوى التّحليل يستحقّ وقفة فلسفية مستقلّة. إذ يعني أنّ قتل الإبداع ليس
خسارة شخصية تُحسب على صاحبها وحده، بل جريمة تمتدّ آثارها -عاجلاً أو آجلاً- إلى
الجسد الحضاريّ بأكمله.
2.
منحنى
النّمو الذي لا يرحم:
يستدعي
الكتاب في هذا السّياق ملاحظة عالم الفيزياء "جيفري ويست" ومفادها أنّ
وتيرة الحياة في تصاعد مستمرّ. فما يجري اليوم في مدينة كبرى يسير بسرعة تفوق
سرعته بالأمس، وأنّ المدن والمؤسّسات والحضارات جميعها تسلك في نموّها مساراً يشبه
المنحنى السينيّ: صعود حادّ، فبطء تدريجي، فنقطة توقّف تحتاج عندها إلى إعادة ضبط
اتجاهها كلّياً وإلّا انحدرت. والنّتيجة المنطقية لهذه الملاحظة قاسية هي أنّ الابتكار لم يعد ترفاً يُطلب في أوقات
الرّخاء، بل صار الوقود الذي يمنع الانحدار من الحدوث أصلاً، وأنّ سرعته يجب أن
تتصاعد باستمرار لمجاراة تسارع الحياة نفسها.
وهذه
الفكرة، على حداثة صياغتها العلمية، ليست غريبة كلّ الغرابة عن تراثنا الفكريّ.
فقد سبق ابن خلدون منذ قرون إلى وصف الحضارات والدول بمنحنى مشابه في جوهره: نشأة،
وشباب وقوّة، ثم شيخوخة وهرم، يعقبهما الزوال ما لم يتجدّد عصب الأمّة بعصبية
جديدة تحمل معها طاقة إنشاء لا طاقة محاكاة. فإذا استبدلنا بمصطلح
"العصبية" الخلدونيّ مصطلح "الإبداع" المعاصر، وجدنا الفكرتين
تتقاطعان عند نتيجة واحدة هي أنّ الحضارة
التي تكتفي بترديد ما أنشأته في شبابها الأول، دون أن تتجدّد قدرتها على الإتيان
بجديد، محكوم عليها بأن تسير نحو أفولها، مهما بدت متماسكة في ظاهرها.
3.
حين
يحلّ الابتكار محلّ الكارثة
ومن
أوضح الأمثلة التي يسوقها الكتاب على هذا البعد الحضاريّ للإبداع، أزمة روث الخيول
التي هدّدت مدينة نيويورك أواخر القرن التّاسع عشر تهديداً وجودياً. إذ بلغ تراكم
فضلات الخيول -وسيلة النقل الوحيدة آنذاك- حدّاً جعل خبراء تلك الحقبة يتوقّعون أن
تصبح المدينة، خلال عقود قليلة، غير صالحة للعيش أصلاً. ولم يكن الحلّ الذي أنقذ
المدينة تشريعاً، أو ضبطاً إدارياً أكثر صرامة، بل ابتكاراً تقنيّاً غيّر قواعد
اللّعبة كلّياً ألا وهوالسيّارة. وهذا مثال دالّ على أنّ بعض الأزمات الحضارية لا
تُحلّ بالتّحسين التّدريجي لما هو قائم، بل بقفزة إبداعية تُغادر السّؤال نفسه إلى
سؤال آخر مختلف كلّياً.
وعلى
النّقيض من ذلك، تقدّم كارثة مكوك الفضاء الأمريكي "كولومبيا" عام 2003
مثالاً على ما يحدث حين تُخنَق الإشارات
الإبداعية والتّحذيرية تحت وطأة الضّغط والجداول الزّمنية الصّارمة. فقد كان فريق
الفضاء في وكالة ناسا قد لاحظ الضّرر الذي يُلحقه الحطام بجسم المكوك عند الإقلاع
في مرّتين سابقتين، لكنّ ضغط الحفاظ على مسار البرنامج الفضائي حال دون تخصيص
الوقت الكافي لتحليل المشكلة من كلّ زواياها، فكانت الكارثة. وهذا يذكّرنا بما
رأيناه في القراءة الأولى من هذه السّلسلة: أنّ الضغط وتعدّد المهام لا يقتلان
الإبداع الفرديّ وحده، بل يمكن أن يقتلا، في أسوأ الأحوال، أرواحاً بأكملها حين
يُصادران فرصة التّفكير الهادئ بذريعة السّرعة.
4.
الإبداع
الذي يخدم من لا صوت لهم:
ولعلّ
من أجمل الأمثلة التي يوردها الكتاب على البعد الإنسانيّ للإبداع الحضاريّ، تجربة
شركة "بروكتر آند غامبل" في الأسواق ذات الدّخل المحدود بآسيا. إذ كانت
الحكمة التّجارية السّائدة تقضي بتجاهل هذه الشّريحة من المستهلكين بحجّة أنّها لا
تملك القدرة الشّرائية ولا الوعي بالعلامات التّجارية. غير أنّ الشّركة رفضت
الانصياع لهذه الحكمة الجاهزة، وابتكرت حلاً بسيطاً في ظاهره، عميق الأثر في
حقيقته، وهو تعبئة الشّامبو عالي الجودة في أكياس صغيرة رخيصة الثّمن بدل الزّجاجات
الكبيرة التي تفوق إمكانات هذه الأسر. وقد بدأ إنتاج هذه الأكياس سنة 1988
بتكلفة زهيدة لا تتجاوز بضعة سنتات
للكيس الواحد، لتصبح لاحقاً نموذجاً معتمَداً في أغلب الدّول النّامية. وهذا مثال
يستحقّ التّأمل الفلسفيّ لا التّجاريّ وحده. فهو يكشف أنّ الإبداع حين يوضع في
خدمة الإنسان لا في خدمة الرّبح وحده، يمكن أن يكون أداة عدل اجتماعيّ بقدر ما هو
أداة تفوّق تنافسيّ، وأنّ حرمان الفقراء من الابتكار المصمَّم لهم ليس قدراً
محتوماً، بل قصور في الخيال أكثر منه قصوراً في الموارد.
5.
البقاء
بالتكيّف لا بالثبات
يقدّم
الكتاب مثالاً آخر جديراً بالتأمّل، هو مسار شركة "ويسترن يونيون" التي
بدأت أعمالها في القرن التاسع عشر بنقل الأموال على ظهور الخيل بين المدن، ثمّ
نجحت، على مدى أكثر من مائة عام، في تعديل منتجاتها وخدماتها تعديلاً جذرياً مرّة
بعد أخرى، مع الحفاظ على قيمها الأساسية، فازدهرت وسط تحدّيات كانت كفيلة بإفناء
غيرها. وهذا المثال يضعنا أمام تمييز فلسفيّ دقيق بين نوعين من البقاء: بقاء بالثّبات
على الشّكل، وبقاء بالتكيّف مع الجوهر. فالكيانات التي تتشبّث بشكلها الأول ظنّاً
منها أنّ في ذلك حفاظاً على هويّتها، غالباً ما تنتهي إلى مصير "قسم ضاربي
الآلة الكاتبة في عصر الكمبيوتر"، على حدّ تعبير الكتاب، بينما الكيانات التي
تفهم أنّ جوهرها ليس في الشّكل الذي اتّخذته يوماً، بل في القيمة التي تسعى إلى
تحقيقها، تستطيع أن تُغيّر أشكالها إلى ما لا نهاية دون أن تفقد ذاتها.
6.
الهدم
الخلاق ودورة الحياة الحضارية:
وممّا
يستوقف النّظر في هذا السّياق ما يشير إليه الكتاب من أنّ التحوّلات الكبرى
-كتحوّل صناعة النّشر نحو الكتاب الإلكتروني- ليست انهياراً بالمعنى السّلبي، بل
دورة طبيعية من دورات النّمو والموت التي تخضع لها الصّناعات والحضارات على حدّ
سواء، وإن بدت في لحظتها مذهلة أو مقلقة لمن اعتاد الشّكل القديم. وهذه الفكرة
قريبة ممّا عُرف في الفكر الاقتصاديّ الحديث بـ"الهدم الخلّاق". أي أنّ
كلّ نظام جديد ينهض، بالضّرورة، على أنقاض نظام قديم كان يبدو، في يوم من الأيام،
الشّكل النهائيّ الذي لا شكل بعده. ولعلّ أعمق ما تعلّمنا إياه هذه الملاحظة أنّ
الحِداد على الأشكال القديمة موقف مفهوم إنسانياً، لكنّه ليس بديلاً عن مواجهة السّؤال
الأصعب: أيّ قيمة كانت تلك الأشكال تخدمها، وكيف يمكن خدمة القيمة نفسها بشكل جديد
يليق بعصر مختلف؟
7.
الإبداع
بوصفه فضيلة حضارية لا رفاهية فردية:
إذا
جمعنا خيوط هذه القراءات الثلاث، اتّضحت صورة متكاملة: الإبداع يُقتل بالخوف،
والضغط، والانحياز، واليأس، ويُحيا بالفضول، والخيال، والشّغف، والتّفاؤل، ويصبح،
حين يُنظر إليه من زاوية الحضارة شرط بقاء لا يقلّ أهمية عن الشّروط المادية
للعيش. وهذا يعني أنّ إهمال الإبداع، على مستوى فرد، أو مؤسّسة، أو أمّة، ليس
تقصيراً في مجال ثانويّ من مجالات الحياة، بل تفريط في القدرة على مواجهة المستقبل
ذاته. فالمجتمعات التي تُخمِد فضول أبنائها في المدرسة، وتُرهب المبادِر في
مؤسّستها، وتُقصي الفقير من دائرة من يُبتكَر لأجلهم، لا تخسر أفكاراً معزولة هنا
وهناك فحسب، بل تخسر قدرتها التّراكمية على تجديد نفسها عند كلّ منعطف من منعطفات
المنحنى الذي لا يرحم أحداً. وإذا كانت "الدّهشة" -كما ختمنا بها
القراءتين السّابقتين- هي الملكة الفردية التي تُنقذ الإنسان الواحد من الجاهلية
العقلية، فإنّ استنبات هذه الدّهشة على نطاق واسع، في المدرسة، والمؤسّسة، والدّولة،
هو بعينه ما يصنع الفارق بين حضارة تعيد اختراع نفسها فتبقى، وحضارة تكرّر نفسها
حتى تنقرض.

تعليقات
إرسال تعليق