التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجاهلية في القرآن الكريم. من اسم الزّمان إلى بنية الإنسان.

 الجاهلية في القرآن الكريم.

 من اسم الزّمان إلى بنية الإنسان.

                                                                                                                                                                             حبيب مونسي

                                                                                                                             عضو المجلس الأعلى للغة العربية -الجزائر.

 تمهيد:

من المستسهل جدّا القول أنّ الجاهلية هي الزّمن الذي سبق الإسلام، فقد استقر هذا المعنى في الوعي الإسلامي حتى كاد يصبح بديهياً. غير أنّ القرآن الكريم، حين يستعمل لفظ الجاهلية، لا يبدو منشغلاً بتأريخ حقبة من الزّمن بقدر انشغاله بكشف "حالة" من حالات الإنسان: كيف يظنّ بالله، وكيف يحكم، وكيف يتصرّف، وكيف يبني ولاءاته. ومن هنا فإنّ الجاهلية في القرآن ليست صفحة في كتاب التّاريخ وحسب، أُغلقت بمجيء الإسلام، وإنّما هي "إمكان إنساني" يمكن أن يتجدّد كلّما عادت الأسباب التي أنشأتها. وهذه النّقطة هي المدخل الذي يجعل قراءة "مفهوم الجاهلية" أكثر عمقاً من مجرّد السّؤال: كيف كان العرب قبل الإسلام؟ فالسّؤال القرآني الأهمّ، هو: ما الذي يجعل الإنسان جاهلياً؟

هناك آيات في كتاب الله عزّ وجلّ قدّمت أربعة معالم كبرى للجاهلية في قوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: 154]، وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: 50]، وقوله: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: 33]، وقوله: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: 26]. وقد لوحظ أنّ "سيد قطب" رحمه الله، جعل هذه الآيات مفاتيح لبناء مفهوم يتجاوز التّاريخ إلى الحاضر، فرأى الجاهلية "حالة" إنسانية، تتجدّد حين ينفصل الإنسان عن هدي الوحي في التّصور، والتّشريع، والسّلوك، والولاء.

لكن هذه القراءة، على أهميتها الفكرية، تحتاج إلى شيء من التمهُّل؛ لأنّ القرآن أوسع من أيّ قراءة واحدة، ولأنّ تاريخ التّفسير نفسه يدلّ على أنّ مفهوم الجاهلية لم يكن منذ البداية مصطلحاً أيديولوجياً بالمعنى الذي اكتسبه في بعض الكتابات الحديثة.

01- الجاهلية في القرآن ليست "جهلاً" بسيطاً:

ترتبط الجاهلية من النّاحية اللّغوية بالجذر "ج-ه-ل"، لكنّ اختزالها في معنى "عدم المعرفة" وحده لا يفي بالدّلالة القرآنية. فالمسألة أعمق: إنّها حالة من اختلال المعرفة، والقيمة، والسّلوك معاً. وقد لفت الدّرس الدّلالي الحديث إلى أنّ القرآن الكريم لم يخترع المفردة من فراغ، بل أخذ ألفاظاً كانت حاضرة في العربية وأعاد تنظيم علاقاتها الدّلالية داخل منظومته الفكرية الخاصّة. وهذه إحدى الأفكار الأساسية في المنهج الدّلالي الذي طوّره "توشيهيكو إيزوتسو" أيضا في دراساته للمفاهيم الأخلاقية والدّينية في القرآن الكريم. إذ رأى أنّ القرآن الكريم لا ينبغي أن تُدرس مفرداته معزولة عن الشّبكة المفهومية التي تنتظم حولها. وقد أصبحت أعمال إيزوتسو من المساهمات المهمّة في دراسة العلاقة بين المفاهيم القرآنية وبين البيئة الثّقافية السّابقة على الإسلام.

وتبعا لذلك، يمكن القول: إنّ الجاهلية في القرآن الكريم ليست نقصا في المعلومات، وإنّما هي فساد في ميزان المعرفة والقيمة. فقد يكون الإنسان واسع المعرفة، شديد الذّكاء، بارعاً في الصّناعة والسّياسة والفلسفة، ومع ذلك يقع في "الجاهلية" إذا اختل تصورُه للحقّ، والعدل، والإنسان. وهذه نقطة شديدة الأهمية في عالمنا الحديث. فالحضارة التّقنية لا تلغي الجاهلية، كما أنّ الأميّة لا تستنفد معناها.

02- أربع آيات ترسم جسد الجاهلية:

إذا جمعنا المواضع الأربعة التي ورد فيها لفظ الجاهلية في القرآن الكريم، وجدنا أنّ القرآن الكريم لا يقدم تعريفاً نظرياً مباشراً، بل يكشفها من خلال آثارها على النّحو التّالي:

أ‌.        ظنُّ الجاهلية، حين يفسد تصوّر الإنسان عن الله:

قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ ۖ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: 154]. فاللاّفت هنا أنّ القرآن الكريم لا يقول إنّ هؤلاء "يجهلون الله" فحسب، وإنّما يقول إنّهم يظنون بالله غير الحقّ. الجاهلية إذن قد تكون يقيناً، ولكنّها يقينٌ منحرف؛ وقد يكون الإنسان شديد الثّقة بتصوّره، إلاّ أنّ ثقته لا تجعل تصوُّرَه حقّاً. وقد فسّر "الطبري" رحمه الله "ظنّ الجاهلية" بأنّه ظنّ أهل الشّرك، وهو تفسير يربط الجاهلية بالتّصور العقدي المنحرف عن التّوحيد.

إنّ الإنسان لا يعيش بما يعرف فقط، وإنّما يعيش أيضاً بما يظنُّه عن العالم، وعن الله، وعن نفسه. وهو بعد إنسانيٌّ بالغ الدّلالة. فإذا تصوّر الإله إلهاً للانتقام الأعمى مثلا، أو تصوّر الحياة عبثاً محضاً، أو تصوّر الإنسان كائناً بلا مسؤولية ولا غاية، فإنّ الخلل في التّصور سوف ينتقل، عاجلاً أو آجلاً، إلى السّلوك. فالجاهلية تبدأ في مكان خفي:  في الصّورة التي يحملها الإنسان في داخله عن الحقيقة.

03- حكم الجاهلية، حين يتحوّل التّصور إلى نظام:

ينتقل القرآن الكريم من الدّاخل إلى الخارج قائلا: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50]. هي أكثر الآيات التي اكتسبت حضوراً واسعاً في الفكر الإسلامي الحديث، وبخاصة عند "سيد قطب" رحمه الله، لأنّها تتّصل بمسألة التّشريع، والسّيادة، والحاكميّة. لكنّ العودة إلى التّفسير القديم تكشف لنا شيئاً مهمّاً. ف"الطبري" لا يجعل الآية نظريّة عامة في كلّ نظام سياسي غير إسلامي، وإنّما يربطها بسياقها، فيفسّر "حكم الجاهلية" بأحكام أهل الشّرك وعبدة الأوثان، ويربطها بقصة التّحاكم الواردة في سياق سورة المائدة. وهذا لا يعني أنّ الآية خالية من الدّلالة الأوسع، ولكنّه يذكّرنا بقاعدة منهجية لا غنى عنها والتي مفادها أنّه لا ينبغي أن نفرّق بين المعنى الذي يكشفه السّياق القرآني المباشر وبين التّوسيع الفكري الذي يمكن أن نبنيه عليه لاحقاً.

قرأ "سيد قطب" الآية قراءة حضارية شاملة، فصارت الجاهلية عنده نظاماً يقوم على أن يحكم البشرُ البشرَ، وأن تُستبدل مرجعية الوحي بمرجعية بشرية. والآية الذي بين أيدينا تبرز هذا الجانب بوضوح حين تجعل "حكم الجاهلية" الثّمرة العملية لـ"ظنّ الجاهلية".

04- تبرج الجاهلية، الجاهلية حين تتحوّل إلى ثقافة للجسد:

يقول تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: 33]. من السّهل أن تُختزل الآية في مسألة اللّباس، لكن المفسرين الأوائل وسعوا الدّلالة إلى طريقة الظهور، والحركة، وإبراز الزّينة. ف"الطّبري" ينقل أقوالاً في التّبرج تتّصل بالتّبختر، والتّكسر، والتّغنج، وبإظهار الزّينة والمحاسن. كما يذكر اختلاف المفسرين في المراد بـ"الجاهلية الأولى"، ثمّ يميل إلى أنّ المقصود هي الجاهلية التي كانت قبل الإسلام، مع الإشارة المهمّة إلى أنّ بعض أخلاق الجاهلية يمكن أن توجد بعد الإسلام أيضاً. وهذه الإشارة الأخيرة ذات قيمة كبيرة في فهم المفهوم. فالجاهلية، بحسب هذا المنظور، ليست صندوقاً زمنياً مغلقاً. قد تنتهي الجاهلية التّاريخية بمجيء الإسلام، لكن أخلاق الجاهلية يمكن أن تعود إلى الظهور في مجتمع مسلم. وهنا يصبح المفهوم أخلاقياً قبل أن يكون تاريخياً.

بيد أنّ القراءة الحديثة للنّص تحتاج كذلك إلى قدر من التّوازن؛ فربط الجاهلية كلّها بالمرأة أو بالجسد يختزل المفهوم القرآني اختزالاً شديداً. والقرآن الكريم نفسه وزّع الجاهلية على أربعة مجالات مختلفة: العقيدة، والحكم، والسّلوك الاجتماعي، والحميّة الجماعية. إنّها إذن بنية متكاملة لا مجرد مظهر أخلاقي واحد.

05- حميّة الجاهلية، حين يصبح الانتماء أقوى من الحقّ:

أمّا الآية الرّابعة فتأخذنا إلى أعمق مناطق الاجتماع الإنساني، إلى قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: 26]. والحميّة هنا ليست حبّ القبيلة. إنّها لحظة يصبح فيها الانتماء قادراً على تعطيل العقل والعدل. فلا يعود الإنسان يرى الحقيقة لأنّها حقيقة، وإنّما لأنّها تخصّ "جماعته". وهذه إحدى أكثر خصائص الجاهلية قابلية للتّجدد. فالقبيلة يمكن أن تكون عرقاً، ويمكن أن تصبح حزباً، أو طائفة، أو طبقة اجتماعية، أو قومية، أو أيديولوجيا، بل حتى جمهوراً ثقافياً مغلقاً. والمشكلة لا تكمن في الانتماء ذاته؛ فالإنسان كائن اجتماعي بطبيعته، وإنّما تبدأ الجاهلية حين يصبح الانتماء مقياساً للحقيقة والأخلاق. ولهذا فإنّ الجاهلية ليست دائماً "الآخر". فقد يسكن الجاهلي داخل الجماعة التي يرفع شعارها. ويتحوّل الدّين نفسه -في يد الإنسان- إلى أداة من أدوات الحميّة إذا أصبح الدّفاع عن الجماعة أهمّ من الدّفاع عن الحقّ.

06- هل الجاهلية في القرآن مرحلة تاريخية؟:

هنا تظهر إحدى أكثر القضايا إثارة للتّفكير. فقد استقر في الثّقافة الإسلامية أنّ "الجاهلية" هي عصر ما قبل الإسلام. وهذا صحيح من جهة الاستعمال التّاريخي اللاّحق، لكنّه لا يستنفد الدّلالة القرآنية.

والدّراسات الحديثة في تاريخ المفهوم تؤكّد أنّ الصّورة التي أصبحت شائعة عن الجاهلية بوصفها اسماً شاملاً لعالمٍ عربيٍّ سابقٍ للإسلام لم تتشكّل دفعة واحدة.

ويذهب الباحث "بيتر ويب" إلى أنّ دلالة "الجاهلية" شهدت تحولات في المعاجم والتّفاسير العربية بين القرون الإسلامية الأولى، وأنّ الصورة النّمطية التي تجعل الجاهلية مرادفة بصورة شبه كاملة لكلّ ما قبل الإسلام تبلورت بصورة أوضح في مراحل لاحقة. وهذا الاكتشاف التّاريخي لا ينقض القرآن الكريم، بل يساعدنا على التّمييز بين القرآن الكريم نفسه وبين التّاريخ اللاّحق لتلقيه. فالقرآن الكريم يستعمل "الجاهلية" في سياقات محدّدة، بينما قامت الذّاكرة الإسلامية اللاّحقة بتوسيع المصطلح حتى صار اسماً حضارياً لعالم كامل.

إنّ التّمييز مهمّ جداً، لأنّ العرب قبل الإسلام لم يكونوا كائنات بلا عقل، ولا أخلاق، ولا ثقافة. بل كان عندهم شعر عالٍ بليغ، ولغة فصيحة، وقيم وافية في الكرم والشّجاعة والوفاء، ونظم اقتصادية واجتماعية، وعلاقات مع البيئات الحضارية المحيطة. والإسلام لم يأت ليقول إنّ كلّ ما في ذلك العالم باطل، بل جاء بعملية فرز وإعادة بناء. أبقى على ما يوافق التّوحيد والعدل، ورفض ما يناقضهما. ويمكن فهم العلاقة بين الإسلام والجاهلية لا بوصفها علاقة "نور مطلق" ب "ظلام مطبق"، وإنّما بوصفها عملية إعادة ترتيب للإنسان والقيم.

07- القرآن الكريم لا يواجه الجاهلية بالمعرفة وحدها:

إذا كانت الجاهلية محض نقصٍ في المعلومات، لكان علاجها التّعليم. لكنّ القرآن الكريم يقدّم علاجاً أعمق.

  • ·         في مقابل ظنّ الجاهلية يأتي اليقين.
  • ·         وفي مقابل حكم الجاهلية يأتي العدل وحكم الله.
  • ·         وفي مقابل تبرج الجاهلية تأتي منظومة من العفّة، والكرامة، وضبط العلاقة بين الإنسان وجسده ومجتمعه.
  • ·         وفي مقابل حميّة الجاهلية تأتي السّكينة والتّقوى.

تكشف هذه المقابلات أنّ القرآن الكريم لا يعالج الجاهلية بإضافة معلومات إلى عقل الإنسان فحسب، وإنّما بإعادة تشكيل ميزان القيمة الذي يحكم حياته. ولهذا فإنّ الإنسان قد يعرف كثيراً ويظلّ جاهلياً؛ وقد يقرأ الكتب كلّها ويظل أسير الحميّة؛ وقد يمتلك دولة متقدّمة تقنيّاً ويظل أسير الظلم؛ وقد يتحدّث عن الدّين كثيراً ويظل يحمل "ظن الجاهلية" في أعماقه. فالجاهلية في أعمق مستوياتها ليست غياب المعلومات وإنّما غياب البصيرة الأخلاقية التي تجعل المعرفة في خدمة الحقّ.

08- سيد قطب وإعادة اكتشاف الجاهلية:

ينبغي في هذا السّياق أن نفهم لماذا اكتسب مفهوم الجاهلية مكانة مركزية عند سيد قطب؟ فلم يتعامل سيد قطب معها بوصفها مصطلحاً تاريخياً فقط، بل نقلها إلى الحاضر. ففي كتابه "معالم في الطريق" تحوّلت الجاهلية إلى "مفهوم نقدي" يقرأ به العالم الحديث، ويرى أنّ التّقدم المادّي لا يكفي لإخراج الإنسان من الجاهلية إذا بقيت عبوديته للبشر، والقيم الأرضية على حالها. وهذه الفكرة هي جوهر كتاب "معالم في الطريق" الذي تجاوز التّأريخ إلى بناء مقارنة بين واقع إنساني متجدّد ومفهوم قرآني ثابت، وأنّ الجاهلية عند سيد قطب "حالة قائمة" كلّما ارتفع سلطان الإنسان فوق سلطان الوحي.

لقد أصبح هذا التّوسيع في مفهوم الجاهلية واحداً من أكثر عناصر فكر سيد قطب تأثيراً وإثارة للجدل. وتبيّنُ دراسات حديثة أنّ مفهوم الجاهلية عنده يرتبط بالحاكمية، وبفكرة خروج الإنسان من عبودية الله إلى صور من عبودية البشر، كما توسّع عنده ليشمل أنماطاً من القيم والسّلوك والانحراف. لكنّ المشكلة تبدأ عندما يتحوّل المفهوم من أداة لنقد الذّات والحضارة إلى أداة لتقسيم البشر بصورة قطعية إلى مؤمنين وجاهليين.

وهنا تظهر أهمية المراجعة التي صدرت في البيئة الإسلامية نفسها. فقد اعترض "حسن الهضيبي" على إطلاق الجاهلية على المجتمع المسلم، وجاء مشروعه "دعاة لا قضاة" ليحذّر من تحويل الحكم العقدي إلى وسيلة لإدانة النّاس. وقد سجلت دراسات فكرية حول "معالم في الطريق" هذه المناقشة بوصفها واحدة من أهم الاعتراضات الدّاخلية على المشروع القطبي. وهذا الاعتراض لا يعني رفض فكرة الجاهلية، بل يعني ضرورة التّمييز بين نقد الجاهلية بوصفها ظاهرة وبين الحكم على الأشخاص والمجتمعات بالجاهلية.

09- من أخطر الانزلاقات أن تصبح الجاهلية اتهاماً للآخر:

هناك فرق هائل بين أن نقول: هذا السّلوك يحمل خصائص جاهلية، وبين أن نقول: هؤلاء قوم جاهليون. الأول تحليل لفعل، أو قيمة، أو بنية اجتماعية. والثّاني حكم على هويّة جماعة كاملة. ففي المواضع التي ورد فيها لفظ الجاهلية، يلفتُ القرآن الكريم النّظر إلى خصال محدّدة: الظنّ، والحكم، والتّبرج، والحميّة. وهذا التّركيز على الصّفات والسّلوكيات يمنح المفهوم قوّة أخلاقية ويمنعه -إذا أُحسن استعماله- من أن يتحوّل إلى شتيمة تاريخية. ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله بمفهوم الجاهلية هو أن نعيده إلى وظيفته الأولى. أن يكون مرآة للإنسان، قبل أن يكون سيفاً على الآخرين. وحين أقرأ "ظنّ الجاهلية" ينبغي أن أسأل: ما الصّورة التي أحملها عن الله؟ وحين أقرأ "حكم الجاهلية" ينبغي أن أسأل: هل أطلب العدل حقاً أم أطلب حكماً يخدم مصلحتي؟ وحين أقرأ "تبرج الجاهلية" ينبغي ألاّ أسأل فقط: ماذا يفعل الآخرون بأجسادهم؟ بل: كيف ينظر مجتمعي إلى الإنسان، والجسد، والكرامة؟ وحين أقرأ "حميّة الجاهلية" ينبغي أن أسأل: هل أحبّ الحق لأنّه حقّ، أم لأنّه ينتصر لجماعتي؟ وهنا يتحوّل القرآن الكريم من كتاب يصف "الآخر" إلى كتاب يكشفني أنا أولا.

10- الجاهلية الحديثة لا تشبه الجاهلية القديمة بالضّرورة:

من الأخطاء المنهجية أن نبحث عن نسخة مطابقة من الجاهلية القديمة في العصر الحديث. فالجاهلية ليست زيّاً تاريخياً. قد تكون الجاهلية القديمة قبلية، بينما تكون الحديثة مؤسّساتية. وقد تكون القديمة قائمة على النّسب، بينما تقوم الحديثة على القومية أو الأيديولوجيا. وقد كان الجاهلي القديم يتعصّب لقبيلته، بينما قد يتعصب الإنسان المعاصر لحزبه أو دولته أو طبقته أو جماعته الثقافية. فالصور تتغيّر، لكن البنية النّفسية يمكن أن تبقى. فلماذا ظلّ مفهوم الجاهلية حيّاً في الفكر الإسلامي الحديث؟ الإجابة المنطقية، لأنّه يسمح بقراءة الإنسان من زاوية علاقته بالحقيقة، والسّلطة، والقيمة، والجماعة. غير أنّ هذا الاستخدام الحديث يحتاج دائماً إلى ضابط قرآني وأخلاقي حتى لا تتحوّل الجاهلية إلى مفهوم شامل يبتلع كلّ اختلاف، وألاّ يصبح وصف المجتمع بالجاهلية بديلاً عن البحث العلمي في مشكلاته الواقعية.

11- الجاهلية ليست نقيض الحضارة:

هذه ربّما أهمّ نتيجة يمكن الوصول إليها الآن. فإذا فهمنا الجاهلية بوصفها نقصاً تقنياً أو حضارياً، أصبح من السّهل أن نعتقد أنّ المدينة الحديثة أخرجت الإنسان منها بالضرورة. لكن القرآن الكريم لا يقيس الإنسان بما يملك من وسائل، بل بما يقيمه من ميزان للحقّ. فقد يملك الإنسان العلم ولا يملك الحكمة.

وقد يملك القوّة ولا يملك العدل. وقد يملك وسائل الاتصال كلّها ولا يستطيع أن يتحاور مع المختلف. وقد يملك معلومات لا حصر لها، لكنّه يعيش أسير الوهم الجماعي. وفي هذه الحالة تصبح الحضارة نفسها قابلة لأن تكون أداة للجاهلية. ولهذا فإن السّؤال القرآني ليس: كم بلغ الإنسان من التّقدم؟ وإنّما: إلى أيّ إنسانية قاده هذا التّقدم؟ وهذا سؤال لا يزال حيّاً.

خاتمة: الجاهلية مرآة لا متحف:

إنّ أعمق ما في مفهوم الجاهلية في القرآن الكريم، هو عدم سماحه بوضع الجاهلية في متحف التّاريخ ثمّ إيصاد باب دونها. صحيح أنّ القرآن الكريم يشير إلى "الجاهلية الأولى" في سياق تاريخي، وصحيح أنّ الإسلام ظهر في مجتمع عربي سابق له، لكنّ القرآن الكريم حين يذكر ظنّ الجاهلية، وحكم الجاهلية، وتبرّج الجاهلية، وحميّة الجاهلية يجعل المصطلح يتجاوز حدود الجغرافيا والزّمن. فالجاهلية ليست فقط أن يعيش الإنسان قبل الإسلام، بل أن يعيش بعقلية تقطع صلته بالحقّ، أو بسلوك يفسد ميزان الكرامة، أو بسلطة تجعل الهوى قانوناً، أو بحميّة تجعل الجماعة فوق العدل. وبذلك تصبح الجاهلية سؤالاً مفتوحاً أمام كلّ عصر. بل تصبح سؤالاً مفتوحاً أمام كلّ إنسان.

إن أخطر جاهلية ليست تلك التي نراها عند الآخرين، وإنّما تلك التي نعجز عن رؤيتها في أنفسنا. فالمجتمع قد ينجح في بناء مؤسّساته، والدّولة قد تتقدّم في تقنياتها، والفرد قد يتّسع علمه، ولكن يبقى السّؤال القرآني قائماً: ماذا يحدث حين يفسد الظنُّ بالله؟ ماذا يحدث حين تتحوّل القوّة إلى حكم؟ ماذا يحدث حين يصبح الجسد سلعة؟ وماذا يحدث حين تصبح الجماعة أقدس من الحقيقة؟ عند هذه النّقطة تحديداً يغادر مفهوم الجاهلية كتب التّاريخ ليصبح مرآة للإنسان.

إنّه المعنى الفكري الأعمق الذي يمكن أن نستخلصه من القرآن الكريم، وهو أنّ الجاهلية ليست اسماً لعصر مات ودفن، وإنّما هي اسم لكلّ لحظة يفقد فيها الإنسان البوصلة التي تجعله إنساناً. ولذلك فإنّ مواجهة الجاهلية لا تبدأ دائماً بتغيير العالم، بل قد تبدأ بسؤال أكثر صعوبة وأشد تواضعاً: أيُّ شيء من الجاهلية ما زال يسكنني؟. 



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التعبير والتجريد في الشعر الحديث.. بقلم : حبيب مونسي

  كيف كان الشعر العربي..وكيف أصبح؟ ما هي مشكلته اليوم؟ التعبير والتواصل.. التجريد والاغتراب؟ كيف ينظر النقد إلى هذه المعضلة؟ .. ما المخرج إذا؟

التمثيل في القرآن الكريم.

تتناول هذه المداخلة التمثيل في القرآن الكريم باعتباره أسلوبا مشهديا لتقريب المعنى وتجسيده أمام القارئ كما تبين دور التمثيل في فتح الدلالة على آفاق تأويلية متعددة.

نظرية التلقي.. رؤية فلسفية أم منهج؟؟ كيف فهمناها؟؟ بقلم : حبيب مونسي

كثيرا ما صرنا نلهج اليوم بشيء يسمى نظرية التلقي .. ويسعى كثيرا من طلبة الجامعات إلى التقاط هذا العنوان ليكون شارة في دراساتهم.. لكن هل فعلا نعي خطورة ما نقدم عليه؟؟ هل فعلا فهمنا المراد منها؟؟ أم أننا دوما نجري وراء مسميات فارغة نزين بها لوحاتنا البحثية.؟؟

أحاديث في النقد والأدب والفكر..محمولات الألفاظ الثقافية....الحلقة 04.

تتناول هذه الحلقة الحديث عن المحمولات الثقافية التي يكتنزها اللفظ والتي تتراكم فيه عبر الازمنة والاستعمالات فتكون بمثابة المرجع الثقافي والمعرفي الذي يحيل عليه اللفظ. وحينما يستعمل الأديب الألفاظ إنما يريد استثمار تلك المحمولات لترفد المقاصد التي يرومها والمرامي التي يرد للمعنى أن ينفتح عليها.. كما أنها تدفع القارئ إلى تحرك ثرائها لإنتاج المعنى وتحيين النص قراءة وتلقيا..

نقرأ لنكتب أم نكتب لنقرأ؟هل بيننا وبين الغرب في هذا من اختلاف؟ بقلم : حبيب مونسي

هل نقرأ لنكتب؟ أم نكتب لنقرأ؟ ما الفرق بين الوضعيتين؟ هل تقديم القراءة على الكتابة يغير من وضعها؟ هل تأخير الكتابة على القراءة يكشف جديدا في العملية الإبداعية؟ لماذا لا يرى الغرب من وجود للعالم إلا داخل الكتابة؟ ولماذا نراه خارجها؟ هل هذا الفهم يفرض علينا أن نعيد النظر في نظرياتنا النقدية الحداثية؟

حوار حول رواية: مقامات الذاكرة المنسية. مع حبيب مونسي. بقلم : تقار فوزية

مقامات الذاكرة المنسية، الرواية الماقبل الأخير للروائي الناقد الأستاذ حبيب مونسي والتي حظيت بعدد من الدراسات الأكاديمية- رسائل ماجستير ودكتوراه .  إنها الرواية التي حاولت أن لا تشتغل بأساليب السرد الغربية التي شاعت في الكتابات الجديدة،