التخطي إلى المحتوى الرئيسي

هل قلتم أن الكتابة مسؤولية والتزام!! وهل للكتابة من أخلاق؟ بقلم : حبيب مونسي



في خضم الجدل الدائر حول "حرية التعبير" في الرواية الجزائرية، و"كسر التابوهات" وفتح سجل عورات الناس، والتركيز على النماذج الهابطة من الشخصيات.. هل يحق لنا أن نسأل تراثنا عن أخلاق للكتابة؟ وأخرى للكاتب؟ دون أن نزعم أن الذي كسر التابوهات متجرد من الأخلاق.. إننا نرفض هذا الزعم ابتداء.. وإنما نسأل فقط.. إنه مجرد سؤال نطرحه على ابن قتيبة
.
لم يكتب "ابن قتيبة" كتابه للعامة من الناس، وإنما أراده لطبقة مميزة منهم، هي طبقة الكتاب، ولكنه لا يعترف لهم بهذه التسمية ما لم تتوفر فيهم جملة من الشروط والخصائص حتى يصيرون أهلا لما تضمنه الكتاب من معرفة وتقويم وإصلاح. وإلاّ لما كان لهذا الفن من أساس يقوم عليه.
لقد أنشأ "ابن قتيبة " ابتداء مقدمته بإقصاء جملة الدخلاء على هذا الفن إقصاء عنيفا، حتى يميز الطبقة بنوع من الاستعداد المعرفي الذي يؤهلها إلى الارتقاء في مدارج الفن. فهو لا يكتب: »لمن لم يتعلق من الإنسانية إلا بالجسم، ومن الكتابة إلاّ بالاسم، ولم يتقدم من الأداة إلاّ بالقلم والدواة. «(.) نصادف في هذا التعليق الساخر بعض سيمات الواقع الاجتماعي الذي كان سائدا، وتصدّر من لا يحسن هذا الفن سدّة التقدم، وكأن إحراز القلم والدواة كافيين لأن يجعلا من صاحبها كاتبا.
ولا ستقيم عود المؤلف إلاّ إذا ألمّ بالأخبار وحفظها، فهي التي ستكسبه بعدا تاريخيا، وتوصل إليه حكمة المتقدم، وتجعله عارفا بأحوال الناس في اجتماعهم و فرقتهم، وقيامهم وقعودهم، إذ: ( لابد له – مع ذلك- من دراسة أخبار الناس، وتحفظ عيون الحديث ليدخلها في تضاعيف سطوره متمثلا إذا كتب، ويصل بها كلامه إذا حاور. )(.) فهي مادة تقوي كتابته على سبيل المثل السائر، والحكمة الخالصة. وتعطي للمكتوب قوة العلم.
بيد أن الالتفات إلى الأخبار لا يكون من أجل الرواية التي تحتشد فيها المتناقضات وتتداخل فيها الأسطورة بالخبر اليقين. وتكون من قبيل ما يصنعه الإخباريون في حلقات الأسواق وأفنية المساجد. وإنما مناط ذلك ومردّه ومداره على: ( العقل وجودة القريحة، فإن القليل معها-بإذن الله- كاف والكثير مع غيرها مقصّر. )(.) وفي هذه الإشارة فائدة أخرى يضيفها "ابن قتيبة" إذ أن العقل لا يرضى بجميع المرويات، بل ينخل منها ويغربل، ولا يحتفظ منها إلاّ بما يرضي الطبيعة الحقة للحوادث وأسبابها. وليس كما فعل "المسعودي" في مروجه، أو "الجاحظ" في حيوانه، أو "أبو الفرج" في أغانيه. وكلها رصف للمقبول والمرذول الذي لا طائل وراءه لمن رام الاستقامة والسداد. ويكفي الكاتب منها ما يكون أدخل في فنه للاستشهاد والتمثيل، يسوقه في عرض حديثه أو في تلافيف كتابته توشية تزيد النص بيانا وقوة، وتضفي عليه روح العلم الصادر من مشكاة العقل والقريحة. وقد نجد في هذه الإشارة تحذير من الجري وراء الخيال و التوهان في سبل التوهم والتخييل، فذاك أمر يبعد عن القصد، ويموه الحقائق، ويجعل الكتابة فارغة من كل قصد، ما دام العقل هو القطب، وعليه مدار الأمر كله.
إن المقدمات تنتهي مباشرة إلى نتائجها، فتحري الصدق في الخبر، وتصفيته مما يشوبه من تزيّد ومبالغة وكذب، لا ينشأ إلاّ عن نفس صادقة في شمائلها، صادقة في سرها وعلنها، مادام كل من رام هذا الفن وائتم بما كتب "ابن قتيبة" أن : ( يؤدب نفسه قبل أن يؤدب لسانه، ويهذب أخلاقه قبل أن يهذب ألفاظه، ويصون مروءته عن دناءة الغيبة، وصناعته عن شين الكذب، ويجانب قبل مجانبته اللحن، وخطل القول، شنيع الكلام، ورفث المزح ).. (.)
فإذا كان التروي والتحري في الأخبار يقتضي شمائل في الباحث، فإن "ابن قتيبة" يرى أن هذه الأخلاق تسري من صاحبها إلى قلمه، فهو لا يخط إلاّ سجيته. فإذا كان المصدر عكرا كان الناتج كذلك. ولهذا السبب كان الشرط الرابع قائما على رياضة نفسية تصفي المصدر، وتبعد عنه ما يشينه ويلوث صفوه.  وبهذه الصورة تترادف التوجيهات حسب الهندسة التالية:
- أخلاق النفس تقابلها أخلاق الكتابة.
- أدب النفس يقابله أدب اللسان.
- تهذيب الأخلاق يقابله تهذيب الألفاظ.
- صيانة المروءة يقابلها صيانة الصناعة.
- مجانبة اللحن يقابلها مجانبة الفحش.
ومنه نكتشف أن "ابن قتيبة" لا يؤمن بتمييز بين أخلاق الكتابة، وأخلاق النفس،إذ هي أخلاق واحدة في كل حال. وكما للنفس من رياضة ترقى بها درجات الاعتدال والاكتمال الخلقي، كذلك فإن للكتابة أخلاق تسمو بها إلى مثل ذلك الاكتمال..
وفي هذه النظرة جدة لا نصادفها عند غيره من التابعين، وكأن المكتوب عنده هو هو صاحبه. فإذا حسنت سريرته، حسن إنتاجه صدقا وعدلا وعلما. أما إذا اتهم في أخلاقه فمن باب أولى أن يتهم في كتابته. وكذلك قال النقاد في شأن "أبي الفرج الإصبهاني" قال عنه "ياقوت الحموي"رواية عن بعض الأدباء، أنه: ( كان فاحش الكذب. )(.) وقال "التنوخي"فيه – وهو من أهل عصره-: ( كان أبو الفرج الإصبهاني أكذب الناس. )(.) ومن كان هذا خلقه ردت روايته، واتهم في صدقه، ونزلت قيمة كتبه. ومن ذلك أن "الأغاني " وهو يمثل موسوعة أدبية كبيرة لا يرق إلى مصاف الكتب الأصول في الأخبار عن العرب والعربية.
فإذا كان أدب النفس هو أدب اللسان، وكانت المطابقة بينهما تامة، كان ما يخطه القلم قطعة من صاحبه. يستمد منها المكتوب شرف وجوده، وصدق خبره، واستقامة مضمونه، ونال من حياة صاحبه وشهرته بالاستقامة والورع ما يؤمِّن له كونه عمدة عند أهل العصر والأجيال التي تتصل به.
كما أن تهذيب الأخلاق يترادف مع تهذيب الألفاظ، فلا تكون إلاّ كما أراد لها الطبع السليم أن تكون  هي الأخرى ورعة، عامرة بالحكمة والسداد. تمتح من صاحبها نسق الخير في كل ما تحمل من دعوى، وإصلاح، وتعليم.
أما صيانة المروءة من الغيبة، وهي صيانة تبعد النفس عن أن تتقوّل في غيرها ما لم يكن فيه- إذا انعكست على الكتابة، صارت صيانة للصناعة من الكذب. وهو ما يشين كل قلم، ويجرده من هيبته ومصداقيته، ويجعله عرضة للاتهام. وقد رأينا كيف كان حال "أبي العتاهية" و"أبي الفرج الاصبهاني" وغيرهما من الذين داخل لسانهم شيء من الكذب. بل إن الكذوب لا يتورع من أن ينسب إلى بعضهم أحاديث أخبار تنتشر بين العامة والخاصة، على أنها الصدق، وهي ليست كذلك أبدا. فالصدق عدّة الكاتب، وعليه تترتب مسؤولية التبليغ. وما يحمله النشء من خطأ في الأخبار والأقوال مردود إلى هذا الكاتب الفاسد السريرة.
كما أن الاجتهاد في مجانبة اللحن، لابد له أن يكون في أخلاق الكتابة مجانبة للقول الفاحش. فلا يكون الكتاب معرضا للبذيء من القول، الذي يكشف عورات الناس كذبا وزورا. وكل من تأنق في لفظه، كان عليه أن يتأنق في تنقيته مما يعيبه ويشينه. وفي هذا الاحتراز تكتسب للكتابة الاعتدال والاستواء، وهي تدور في أعلى مدارات الأخلاق. إن وضع أخلاق الكتابة في مقابل أخلاق النفس، يفصح عن الشعور ببعد المسؤولية الملقاة على القلم. فهو الذي يخط حاضر الأمة وماضيها، ويسطر آفاق مستقبلها. وتلك مسؤولية تجعله في أثقل مركز يتحمل ثقل التربية، والتكوين، والتعليم، وإعداد النشء لمواصلة المسيرة التي شقّها الأقدمون. وعلى ذلك يتوقف مستقبل الأمة.
بتصرف من كتابي : نظرية الكتابة في النقد القديم. دار الغرب للنشر والتوزيع. وهران. 2000.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التعبير والتجريد في الشعر الحديث.. بقلم : حبيب مونسي

  كيف كان الشعر العربي..وكيف أصبح؟ ما هي مشكلته اليوم؟ التعبير والتواصل.. التجريد والاغتراب؟ كيف ينظر النقد إلى هذه المعضلة؟ .. ما المخرج إذا؟

التمثيل في القرآن الكريم.

تتناول هذه المداخلة التمثيل في القرآن الكريم باعتباره أسلوبا مشهديا لتقريب المعنى وتجسيده أمام القارئ كما تبين دور التمثيل في فتح الدلالة على آفاق تأويلية متعددة.

نظرية التلقي.. رؤية فلسفية أم منهج؟؟ كيف فهمناها؟؟ بقلم : حبيب مونسي

كثيرا ما صرنا نلهج اليوم بشيء يسمى نظرية التلقي .. ويسعى كثيرا من طلبة الجامعات إلى التقاط هذا العنوان ليكون شارة في دراساتهم.. لكن هل فعلا نعي خطورة ما نقدم عليه؟؟ هل فعلا فهمنا المراد منها؟؟ أم أننا دوما نجري وراء مسميات فارغة نزين بها لوحاتنا البحثية.؟؟

أحاديث في النقد والأدب والفكر..محمولات الألفاظ الثقافية....الحلقة 04.

تتناول هذه الحلقة الحديث عن المحمولات الثقافية التي يكتنزها اللفظ والتي تتراكم فيه عبر الازمنة والاستعمالات فتكون بمثابة المرجع الثقافي والمعرفي الذي يحيل عليه اللفظ. وحينما يستعمل الأديب الألفاظ إنما يريد استثمار تلك المحمولات لترفد المقاصد التي يرومها والمرامي التي يرد للمعنى أن ينفتح عليها.. كما أنها تدفع القارئ إلى تحرك ثرائها لإنتاج المعنى وتحيين النص قراءة وتلقيا..

نقرأ لنكتب أم نكتب لنقرأ؟هل بيننا وبين الغرب في هذا من اختلاف؟ بقلم : حبيب مونسي

هل نقرأ لنكتب؟ أم نكتب لنقرأ؟ ما الفرق بين الوضعيتين؟ هل تقديم القراءة على الكتابة يغير من وضعها؟ هل تأخير الكتابة على القراءة يكشف جديدا في العملية الإبداعية؟ لماذا لا يرى الغرب من وجود للعالم إلا داخل الكتابة؟ ولماذا نراه خارجها؟ هل هذا الفهم يفرض علينا أن نعيد النظر في نظرياتنا النقدية الحداثية؟

حوار حول رواية: مقامات الذاكرة المنسية. مع حبيب مونسي. بقلم : تقار فوزية

مقامات الذاكرة المنسية، الرواية الماقبل الأخير للروائي الناقد الأستاذ حبيب مونسي والتي حظيت بعدد من الدراسات الأكاديمية- رسائل ماجستير ودكتوراه .  إنها الرواية التي حاولت أن لا تشتغل بأساليب السرد الغربية التي شاعت في الكتابات الجديدة،